الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 297 ] التاسع عشر : في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في «الطلاق» «والخلع» «والإيلاء» «والظهار» «واللعان» «وإلحاق الولد» «والعدة» وما يتعلق بذلك .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو داود والترمذي والدارقطني عن عبد الله بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني طلقت امرأتي البتة ووالله ما أردت إلا واحدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والله ، ما أردت إلا واحدة ؟ » فقال ركانة : والله ، ما أردت إلا واحدة ، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمان عمر ، والثالثة في زمان عثمان .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الدارقطني عن عبادة بن الصامت- رضي الله تعالى عنه- قال : طلق بعض الأنصار امرأته ألفا فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إن أبانا طلق أمنا ألفا ، فهل له من مخرج ؟ فقال : «إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجا ، بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثما في عنقه»

                                                                                                                                                                                                                              وقال الدارقطني : رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- أنه طلق امرأته ، وهي حائض ، فذكر ذلك عمر- رضي الله تعالى عنه- لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه ، ثم قال : «ليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر وإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق : 1] أي قبل عدتهن .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو ، أن مولاه زوجه ، وهو يريد أن يفرق بينه وبين امرأته ، فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ثم قال : «ما بال قوم يزوجون عبيدهم إماءهم ثم يريدون أن يفرقوا بينهم ؟ ألا إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي ذر والدارقطني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال قال رجل : يا رسول الله ، أرأيت قول الله تعالى الطلاق مرتان [البقرة : 229] فأين الثالثة قال : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة : 229] .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لا يدخل على بعض أهله شهرا ، فلما مضى تسعة وعشرون يوما- غدا عليهن أو راح- فقيل له : يا نبي الله ، حلفت أن لا تدخل علينا شهرا ، فقال : «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما» [ ص: 298 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- قال : أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الترمذي والبيهقي والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ظاهر من امرأته ، فوقع عليها فقال : يا رسول الله ، إني قد ظاهرت من زوجتي ، فوقعت عليها قبل أن أكفر ، فقال : «وما حملك على ذلك ، يرحمك الله» ؟ قال : رأيت خلخلها في ضوء القمر . قال : «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من الأنصار جاء فقال : لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ، فتكلم جلدتموه أو قال : قتلتموه ، وإن سكت سكت على غيظ ، والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قال : قتلتموه ، أو سكت سكت على غيظ ، فقال : «اللهم افتح» وجعل يدعو ، فنزلت آيتي اللعان : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم [النور : 6] هذه الآيات فابتلى به ذلك الرجل من بين الناس ، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات بالله ، إنه لمن الصادقين ، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مه» فأبت ، فلعنت فلما أدبرا قال «لعلها أن تجيء به أسود جعدا» فجاءت به أسود جعدا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ولد لي غلام أسود ، وإني أنكرته ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هل لك من إبل ؟ » قال : نعم ، قال : «فما ألوانها ؟ » قال : حمر ، قال : «هل فيها من أورق ؟ » قال : إن فيها لورقا ، قال : «فأنى ترى ذلك جاءها ؟ » قال : عرق نزعها ، قال : «ولعل هذا عرق نزعه» ! ولم يرخص له في الانتفاء منه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد عن مولى آل الزبير قال : إن بنت زمعة قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أبي زمعة مات ، وترك أم ولد له وإنا كنا نظنها برجل ، وإنها ولدت فخرج ولدها يشبه الرجل الذي ظنناها به ، قال : فقال لها : «أما أنت فاحتجبي منه ، فليس بأخيك وله الميراث» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- قال : قام رجل فقال : يا رسول الله ، إن فلانا ابني عاهر بأمه في الجاهلية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا دعوة في الإسلام ، ذهب أمر الجاهلية ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر» .

                                                                                                                                                                                                                              العاهر يعني الزاني والمعنى ، أنه لا حظ للزاني في الولد وإنما هو لصاحب الفراش وهو الزوج أو السيد ، ولها الحجر أي ترجم بالحجارة ، أو ليس لها إلا الحجارة أي ليس له ولا لها [ ص: 299 ] إلا الخيبة ولحوق الولد ، وذكره صلى الله عليه وسلم للحجر استعارة عن الرجم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد وأبو داود عن رافع بن سنان- رضي الله تعالى عنه- أنه أسلم ، وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ابنتي ، وهي فطيم أو شبهه وقال رافع : ابنتي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «اقعد ناحية» وقال لها : «اقعدي ناحية» قال : وأقعد الصبية بينهما ، ثم قال : «ادعواها» فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «اللهم اهدها» فمالت الصبية إلى أبيها فأخذها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وثديي له سقاء ، وحجري له حواء ، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنت أحق به ما لم تنكحي» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت من زوجها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمامان الشافعي وأحمد والبخاري عن المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنه- أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي ، فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمامان الشافعي وأحمد والبخاري عن المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنه- أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذوات الأحمال قال : «أجلهن أن يضعن حملهن» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بامرأة مجح على باب فسطاط فقال : «لعله يريد أن يلم بها» فقالوا : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره . كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ كيف يستخدمه ، وهو لا يحل له ؟ » .

                                                                                                                                                                                                                              وتحجج بالجيم والحاء المهملة المشددة الحامل التي دنت ولادتها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن الزبير- رضي الله تعالى عنه- أنه كان عنده أم كلثوم بنت عقبة ، فقالت له ، وهي حامل إني أحب أن تطيب نفسي بتطليق ففعل ، فذهب إلى المسجد فجاء وقد وضعت ما في بطنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما صنع ، فقال : «بلغ الكتاب أجله ، فاخطبها إلى نفسها» ، فقال خدعتني ، خدعها الله .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس [ ص: 300 ] أخبرته ، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ، ثم انطلق إلى اليمن ، فقال لها أهله : ليس لك علينا نفقة ، فانطلق خالد بن الوليد في نفر . فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة ، فقالوا : إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا ، فهل لها من نفقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليست لها نفقة ، وعليها العدة» وأرسل إليها «أن لا تسبقيني بنفسك» وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك ، ثم أرسل إليها «أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون . فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى ، فإنك إذا وضعت خمارك ، لم يرك» فانطلقت إليه . فلما مضت عدتها أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن جابر بن عبد الله يقول : طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها : فزجرها رجل أن تخرج . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : «بلى فجدي نخلك . فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن زينب بنت كعب بن عجرة- رضي الله تعالى عنهما- وكانت تحت سعيد أن أخته الفريعة بنت مالك كانت مع زوجها في قرية من قرى المدينة فتبع أعلاجا ، فقتلوه فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت الوحشة في منزله ، وذكرت أنها في منزل ليس لها ، واستأذنت أن تأتي منزل إخوتها بالمدينة ، فأذن لها ، ثم دعا أو دعيت له ، فقال : «اسكني في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان عن زينب بنت أبي سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول : لا ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان والبيهقي عن زينب أنها سمعت أم سلمة وأم حبيبة تذكران أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن بنتا لها توفي عنها زوجها ، فاشتكت عينها ، فهي تريد أن تكحلها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول ، وإنما هي أربعة أشهر وعشر» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة ، وقد جعلت على عيني صبرا ، فقال : «ما هذا يا أم سلمة ؟ » فقلت : إنما هو صبر ليس فيه طيب ، قال : «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل [ ص: 301 ]

                                                                                                                                                                                                                              وتنزعيه بالنهار ، ولا تمتشطي بالطيب ، ولا بالحناء ، فإنه خضاب» ، قلت : بأي شيء أمتشط يا رسول الله ؟ قال : «بالسدر تغلفين به رأسك» .


                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية