الهداية شرح بداية المبتدي
( ولا يقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا مقعدا ولا أعمى ) لأن المبيح للقتل عندنا هو الحراب ولا يتحقق منهم ، ولهذا لا يقتل يابس الشق والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف . والشافعي رحمه الله تعالى عليه يخالفنا في الشيخ الفاني والمقعد والأعمى [ ص: 453 ] لأن المبيح عنده الكفر والحجة عليه ما بينا ، وقد صح { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل الصبيان والذراري } { وحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال : هاه ، ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت ؟ } قال ( إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة ) لتعدي ضررها إلى العباد ، وكذا يقتل من [ ص: 454 ] قاتل من هؤلاء دفعا لشره ، ولأن القتال مبيح حقيقة
فتح القدير
( قوله ولا يقتلوا امرأة ولا صبيا ) أخرج الستة إلا النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما { أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة فنهى عن قتل النساء والصبيان } . وأخرج أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { انطلقوا باسم الله وعلى ملة رسول الله ، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ، ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } وفيه خالد بن الفزر ، قال ابن معين : ليس بذاك ، وأما معارضته بما أخرج أبو داود عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اقتلوا الشيوخ المشركين واستبقوا شرخهم } ، فأضعف منه ثم على أصول كثير من الناس لا معارضة بل يجب أن تخص الشيوخ بغير الفاني ، فإن المذكور في ذلك الحديث الشيخ الفاني ليخص العام مطلقا بالخاص . نعم يعارض ظاهرا بما أخرج الستة { عن الصعب بن جثامة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : هم منهم } وفي لفظ " هم من آبائهم " فيجب دفعا للمعارضة حمله على مورد السؤال وهم المبيتون ، وذلك أن فيه ضرورة عدم العلم والقصد إلى الصغار بأنفسهم ، لأن التبييت يكون معه ذلك ، والتبييت هو المسمى في عرفنا بالكبسة ، وما الظن إلا أن حرمة قتل النساء والصبيان إجماع .
وأما الحديث الذي ذكر المصنف أنه عليه الصلاة والسلام { رأى امرأة مقتولة } فهو ما رواه أبو داود والنسائي عن أبي الوليد الطيالسي عن عمر بن المرقع بن صيفي : حدثني أبي عن جده { رباح بن الربيع بن صيفي قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا [ ص: 453 ] فقال : انظر علام اجتمع هؤلاء ؟ فجاء رجل فقال : امرأة قتيل ، فقال : ما كانت هذه تقاتل ، وعلى المقدمة خالد بن الوليد ، فبعث رجلا فقال : قل لخالد لا تقتلن امرأة ولا عسيفا } وأخرجه النسائي أيضا وابن ماجه عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن المرقع ، وكذا أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك ، وفي لفظه فقال { هاه ما كانت هذه تقاتل } ثم قال : وهكذا رواه المغيرة بن عبد الرحمن وابن جريج عن أبي الزناد فصار الحديث صحيحا على شرط الشيخين .
وهاه كلمة زجر ، والهاء الثانية للسكت . وإذا ثبت فقد علل القتل بالمقاتلة في قوله { ما كانت هذه تقاتل } فثبت ما قلنا من أنه معلول بالحرابة فلزم قتل ما كان مظنة له ، بخلاف ما ليس إياه ، وبمنع قتل النساء والصبيان أو يابس الشق ونحوه يبطل كون الكفر من حيث هو كفر علة أخرى ، وإلا لقتل هؤلاء وهو المراد بقول المصنف ( والحجة عليه ) أي على الشافعي ( ما بيناه ) يعني من عدم قتل يابس الشق ، لكن هذا الإلزام على أحد القولين له ، فإنه ذكر في شرح الوجيز وفي الشيوخ والعميان والضعفاء والزمنى ومقطوعي الأيدي والأرجل قولان : في قول يجوز قتلهم ، وبه قال أحمد في رواية لعموم { فاقتلوا المشركين } وروي عنه عليه الصلاة والسلام { اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم } ولأنهم كفار والكفر مبيح للقتل .
وفي قول لا يجوز ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وذكر ما ذكرناه من الحديث المانع من قتل الشيخ الفاني .
قال : والمقعد والزمن ومقطوع اليدين والرجلين في معناه .
وعن أبي بكر أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام فقال : " لا تقتلوا الولدان ولا النساء ولا الشيوخ " الخبر انتهى . وأنت تعلم أن قوله تعالى { فاقتلوا المشركين } عام مخصوص بالذمي والنساء والصبيان ، فجاز تخصيص الشيخ الفاني ، ومن ذكر المصنف بالقياس لو لم يكن فيهم خبر فكيف وفيهم ما سمعت ، بل ما قدمنا من أن النصوص مقيدة ابتداء بالمحاربين على ما ترجع إليه . وأما حديث الشيوخ فتقدم أنه ضعيف بالانقطاع عندهم وبالحجاج بن أرطاة ، ولو سلم فيجب تخصيصه على ما ذكرنا على أصولهم . وأما قول المصنف صح أنه عليه الصلاة والسلام { نهى عن قتل الصبيان والذراري } فالمراد بالذراري النساء من اسم السبب في المسبب .
قال في العرنيين : وفي الحديث { لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا } أي امرأة ولا أجيرا ، ثم المراد بالشيخ الفاني الذي لا يقتل هو من لا يقدر على القتال ولا الصياح عند التقاء الصفين ولا على الإحبال لأنه يجيء منه الولد فيكثر محارب المسلمين ، ذكره في الذخيرة . وذكر الشيخ أبو بكر الرازي في كتاب المرتد من شرح الطحاوي أنه إذا كان كامل العقل نقتله ومثله نقتله إذا ارتد ، والذي لا نقتله الشيخ الفاني الذي خرف وزال عن حدود العقلاء والمميزين فهذا حينئذ يكون بمنزلة المجنون فلا نقتله ولا إذا ارتد . قال : وأما الزمنى فهم بمنزلة الشيوخ فيجوز قتلهم إذا رأى الإمام ذلك كما يقتل سائر الناس بعد أن يكونوا عقلاء ونقتلهم أيضا إذا ارتدوا ا هـ . ولا نقتل مقطوع اليد اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف ، ونقتل أقطع اليد اليسرى أو إحدى الرجلين وإن لم يقاتل ( قوله إلا أن يكون أحد هؤلاء ) استثناء من حكم عدم القتل ، ولا خلاف في هذا لأحد ، [ ص: 454 ] وصح { أمره عليه الصلاة والسلام بقتل دريد بن الصمة وكان عمره مائة وعشرين } عاما أو أكثر وقد عمي لما جيء به في جيش هوازن للرأي ، وكذلك يقتل من قاتل من كل من قلنا إنه لا يقتل كالمجنون والصبي والمرأة


