الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 121 ] ( ومن حلف لا يأكل لحما فأكل لحم السمك لا يحنث ) والقياس أن يحنث لأنه يسمى لحما في القرآن . وجه الاستحسان أن التسمية مجازية لأن اللحم منشؤه من الدم ولا دم فيه لسكونه في الماء [ ص: 122 ] ( وإن أكل لحم خنزير أو لحم إنسان يحنث ) لأنه لحم حقيقي إلا أنه حرام . واليمين قد تعقد للمنع من الحرام [ ص: 123 ] ( وكذا إذا أكل كبدا أو كرشا ) لأنه لحم حقيقة فإن نموه من الدم ويستعمل استعمال اللحم . وقيل في عرفنا لا يحنث لأنه لا يعد لحما .

التالي السابق


( قوله ومن حلف لا يأكل لحما إلخ ) تنعقد هذه اليمين على لحم الإبل والبقر والجاموس والغنم والطيور مطبوخا ومشويا ، وفي حنثه بالنيء خلاف الأظهر لا يحنث ، وعند الفقيه أبي الليث يحنث ، فلو أكل لحم السمك لا يحنث ، والقياس أن يحنث وهو رواية شاذة عن أبي يوسف لأنه سمي لحما في القرآن ، قال تعالى { لتأكلوا منه لحما طريا } أي من البحر وهو السمك ، وبه استدل سفيان لمن استفتاه فيمن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا فرجع إلى أبي حنيفة فأخبره فقال ارجع فاسأله فيمن حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض ، فسأله فقال لا يحنث ، فقال أليس أنه قال تعالى { والله جعل لكم الأرض بساطا } فقال له سفيان : كأنك السائل الذي سألتني أمس ؟ فقال نعم ، فقال سفيان : لا يحنث في هذا ولا في الأول ، فرجع عن ذلك القول .

وظهر أن تمسك أبي حنيفة إنما هو بالعرف لا بما ذكره المصنف في وجه الاستحسان أن التسمية التي وقعت في القرآن مجازية لا حقيقية لأن اللحم منشؤه من الدم ولا دم في السمك لسكونه الماء ، ولذا حل بلا ذكاة . فإنه ينقض بالألية فإنها تنعقد من الدم ، ولا يحنث بأكلها لمكان العرف وهو أنه لا يسمى لحما ولا تذهب أوهام أهل العرف إليه عند إطلاق اسم اللحم ، ولذا لو قال اشتر لحما فاشترى سمكا عد مخالفا ، [ ص: 122 ] وأيضا يمنع أن اسم اللحم باعتبار الانعقاد من الدم بل باعتبار الالتحام والأيمان لا تبنى على الاستعمال القرآني ; ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا أو لا يجلس على وتد فجلس على جبل لا يحنث مع تسميتها في القرآن دابة وأوتادا ، وهذا كله إذا لم ينو ، أما إذا نواه فأكل سمكا طريا أو مالحا حنث .

[ فرع ]

لو حلف لا يأكل لحما فأكل من مرقه لا يحنث إلا إذا كان نواه ( قوله وإن أكل لحم خنزير أو لحم إنسان يحنث ) لأنه لحم حقيقة إلا أنه حرام واليمين تنعقد على الحرام منعا وحملا وإن وجب في الحمل أن يحنث ، بخلاف النذر للنص { لا نذر في معصية الله تعالى } ولما كان يرد عليه أن الأيمان تبنى على العرف ولا تذهب الأوهام في أكل اللحم إلى أكل لحم الآدمي والخنزير وإن سمي في العرف لحم الآدمي لحما وكذا لحم الخنزير ، لأن الواجب العرف في قولنا أكل فلان لحما كما فعلنا في لا يركب دابة فلان اعتبر العرف في ركب فإن المتبادر منه ركوب هذه الأنواع فتقيد الركوب المحلوف عليه به .

ثم نقل العتابي خلافه فقال : قيل الحالف إذا كان مسلما ينبغي أن لا يحنث لأن أكله ليس بمتعارف ، ومبنى الأيمان على العرف قال وهو الصحيح . وفي الكافي عليه الفتوى . وما قيل العرف العملي لا يقيد اللفظ غير صحيح ، وقد قدمناه في نكاح الفضولي ردا على المصنف هناك . وأورد أن الكفارة فيها معنى العبادة فكيف تجب بفعل هو حرام محض ؟ وأجيب بأن الحل والحرمة إنما يراعيان في السبب والسبب في وجوب الكفارة واليمين وإن كان متعلقا باليمين والحنث ، وإنما علق بهما حتى لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث وإن كان السبب هو اليمين وحده ليكون سبب الكفارة موصوفا بالإباحة والحرمة الإباحة لليمين والحظر للحنث ، وهذا انصراف عن المذهب المجمع على نقله من أن السبب هو الحنث وكونه اليمين مذهب الشافعي وإلقاء الشراشر عليه ، وكان يغني عن التهالك في إثباته فيما تقدم تسليما أن اليمين سبب ، ولكنا شرطنا لوجوب الكفارة الحنث لما ذكر ، وحينئذ لا خلاف بيننا وبينهم ، ويوجب بطلان ما اتفقوا عليه في الجواب من أن الإضافة في كفارة اليمين إلى الشرط لا إلى السبب ، وكل هذا بسبب التزام أن الكفارة في اليمين لستر الجناية الثابتة بالحنث ، ونحن جعلناها جبرا لحرمة اسم الله تعالى الفائتة بالحنث معصية كان الحنث أو طاعة واجبة أو مندوبة ، وهذا لأن الحنث إذا كان واجبا استحال أن يكون حراما ، وما يظن من أنه يصح واجبا حراما من وجهين توهم ، وإلا فمعنى الواجب [ ص: 123 ] الحرام ما تعلق به خطاب الشرع نهيا عنه وطلبا له ، فكيف يكون بعينه مطلوب العدم مطلوب الإيجاد في وقت واحد فليس ذلك إلا وهما من الأوهام ، ومثله في كفارة الإحرام تثبت ، ولا جناية إذا كان مريضا أو به أذى من رأسه ( قوله وكذا إذا أكل كبدا أو كرشا ) أو رئة أو قلبا أو طحالا : يعني يحنث لأن نموة من الدم ويستعمل استعمال اللحم .

وقيل في عرفنا لا يحنث لأنه لا يعد لحما . قال في الخلاصة : هذا في عرف أهل الكوفة ، وفي عرفنا لا يحنث ، وذكره في المحيط أيضا . ولو أكل الرأس والأكارع يحنث ، وبه قال الشافعي في الأصح . ولا يحنث بأكل الشحم والألية إلا إذا نواه في اللحم . بخلاف شحم الظهر يحنث به بلا نية لأنه تابع للحم في الوجود ، ويقال في العرف لحم سمين .




الخدمات العلمية