الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولو حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على مال يدفعه المسلمون إليهم لا يفعله الإمام لما فيه من إعطاء الدنية وإلحاق المذلة بأهل الإسلام إلا إذا خاف الهلاك ، [ ص: 460 ] لأن دفع الهلاك واجب بأي طريق يمكن

التالي السابق


( قوله ولو حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على مال يدفعه المسلمون إليهم لا يفعله الإمام لما فيه من إعطاء الدنية ) أي النقيصة ، ومن ذلك قول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما في الحديبية وكان متجانفا عن الصلح : أليس برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال أبو بكر : بلى ، قال : أو لسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى ، قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ فقال له أبو بكر : الزم غرزه ، فإني أشهد أنه رسول الله ، فقال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكره ابن إسحاق في السير .

وفي الحديث { ليس للمؤمن أن يذل نفسه فالعزة خاصية الإيمان } قال الله تعالى { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( إلا إذا خاف ) الإمام ( الهلاك ) على نفسه والمسلمين فلا بأس { لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد على الناس البلاء في وقعة الخندق أرسل إلى عيينة بن حصن الفزاري والحرث بن عوف بن أبي حارثة المري وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على [ ص: 460 ] أن يرجعا بمن معهما ، فجرى بينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه ، فقالا له : يا رسول الله أمرا تحبه فتصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة ، والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنت وذاك ، فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ، ثم قال : ليجهدوا علينا } .

قال محمد بن إسحاق : حدثني به عاصم بن عمرو بن قتادة ومن لا أتهم عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري . وعلل المصنف هذا بقوله ( لأن دفع الهلاك واجب بأي طريق يمكن ) وهو تساهل فإنه لا يجب دفع الهلاك بإجراء كلمة الكفر ولا بقتل غيره لو أكره عليه بقتل نفسه بل يصبر للقتل ولا يقتل غيره ; ولو شرطوا في الصلح أن يرد عليهم من جاء مسلما منهم بطل الشرط فلا يجب الوفاء به فلا يرد إليهم من جاءنا منهم مسلما وهو قول مالك . وقال الشافعي : يجب الوفاء به في الرجال دون النساء { لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في الحديبية حين جاء أبو جندل بن عمرو بن سهيل وكان قد أسلم فرده ، فصار ينادي يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني ؟ فقال له عليه الصلاة والسلام : اصبر أبا جندل واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، وكذا رد أبا بصير } وأما لو شرط مثله في النساء لا يجوز ردهن ولا شك في انفساخ نكاحها ، فلو طلب زوجها الحربي المهر هل يعطاه ؟ للشافعي فيه قولان : في قول لا يعطاه وهو قولنا ، وقول مالك وأحمد ، وفي قول يعطاه ، قال تعالى { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار } وهذا هو دليل النسخ في حق الرجال أيضا ، إذ لا فرق بين النساء والرجال في ذلك ، بل مفسدة رد المسلم إليهم أكثر ، وحين شرع ذلك كان في قوم من أسلم منهم لا يبالغون في تعذيبه ، فإن كل قبيلة لا تتعرض لمن فعل ذلك من قبيلة أخرى إنما يتولى ردعه عشيرته ، وهم لا يبلغون فيه أكثر من القيد والسب والإهانة ، ولقد كان بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من المستضعفين مثل أبي بصير وأبي جندل بن عمرو بن سهيل إلى نحو سبعين لم يبلغوا فيهم النكاية لعشائرهم والأمر الآن على خلاف ذلك




الخدمات العلمية