الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن قال لعبده : أنت حر بعد موتي على ألف درهم فالقبول بعد الموت ) لإضافة الإيجاب إلى ما بعد الموت فصار كما إذا قال أنت حر غدا بألف درهم ، بخلاف ما إذا قال أنت مدبر على ألف درهم حيث يكون [ ص: 12 ] القبول إليه في الحال ; لأن إيجاب التدبير في الحال إلا أنه لا يجب المال لقيام الرق . [ ص: 13 ] قالوا : لا يعتق عليه في مسألة الكتاب ، وإن قبل بعد الموت ما لم يعتقه الوارث ; لأن الميت ليس بأهل للإعتاق ، وهذا صحيح .

التالي السابق


( قوله : ومن قال أنت حر بعد موتي على ألف فالقبول بعد الموت لإضافة الإيجاب إلى ما بعد الموت فصار كما إذا قال أنت حر غدا بألف ) فإن القبول محله الغد ، وهذا ; لأن جواب الإيجاب في عقد المعاوضة وهو القبول إنما [ ص: 12 ] يعتبر في مجلسه ومجلسه وقت وجوده والإضافة تؤخر وجوده إلى وجود المضاف إليه وهو هنا ما بعد الموت ، ولو أمكنت إضافة في البيع ونحوه وجب فيه أيضا كون قبول البيع يتأخر إلى وقت وجود المضاف فيكون محل القبول ذلك ، بخلاف ما إذا قال أنت مدبر على ألف درهم حيث يكون القبول إليه في الحال ; لأنه إيجاب للتدبير في الحال إلا أنه لا يجب المال لقيام الرق في المدبر .

ولا يستوجب المولى على عبده دينا صحيحا ، وإذا عتق بعد الموت لا يلزمه شيء ; لأنه لما لم يجب عليه عند القبول لم يجب عليه بعده ، وعلى هذا لا فائدة في تعليقه بالقبول إلا ليظهر اختيار التدبير من العبد ، كما لو قال إن اخترت التدبير فأنت مدبر وصار كما إذا علق تدبيره بدخوله الدار . وأورد أن قوله أنت مدبر على ألف هو معنى أنت حر بعد موتي على ألف فينبغي أن يشترط في مسألة الكتاب القبول في الحال : أجيب بأن مسألة الكتاب تصرف بيمين من السيد لا يمكن من الرجوع ، وفي الأيمان يعتبر اللفظ وليس في قوله أنت مدبر على ألف إضافة لفظا ليكون يمينا فلا يشترط القبول بعده .

وفي النهاية إنما افترق وقت القبول فاعتبر في الحال في أنت مدبر على ألف ; لأنه قابل الألف في التدبير بحق الحرية وحق الحرية متحقق قبل الموت واعتبر بعد الموت في أنت حر بعد موتي على ألف ; لأنه قابلها بحقيقة الحرية وحقيقة الحرية بعد الموت فيعتبر القبول بعد الموت ، ولا يخفى أن التدبير ليس معناه إلا الإعتاق المضاف إلى ما بعد الموت ، وذلك هو الثابت في كل من قوله أنت مدبر أو أنت حر بعد موتي بلا فرق ، بل المعنى واحد دل عليه بلفظ مفرد ومركب كلفظ الحد والمحدود من نحو إنسان وحيوان ناطق ، ثم يثبت حق الحرية فرعا عن صحة تلك الإضافة التي هي التدبير ، لا أن حق الحرية هو معنى التدبير ابتداء فلم يتحقق الفرق . واعلم أنه روي عن أبي حنيفة في نوادر بشر بن الوليد : إذا قال أنت مدبر على ألف ليس له القبول الساعة وله أن يبيعه ، فإذا مات المولى ، وهو في ملكه ، وقال قبلت أداء الألف عتق ، فعلى هذا استوت المسألتان في أن القبول بعد الموت .

وروي عن أبي يوسف فيها إن لم يقبل حين قال له ذلك فليس له أن يقبل بعده ، وإن قبل كان مدبرا وعليه الألف إذا مات السيد . وعن أبي يوسف في الإملاء ، إذا قال إن مت فأنت حر على ألف درهم القبول على حالة الحياة لا الوفاة ، فإذا قبل صح التدبير ، فإذا مات عتق ولا يلزمه المال ; لأنه لا يلزمه وقت القبول ; لأنه لا يعتق بالقبول فلا يلزمه وقت وقوع العتاق ، فسوى بين المسألتين في أن القبول حالة الحياة ، إلا أنه اختلف كلامه فيهما في لزوم المال .

وذكر السرخسي عن ابن سماعة عن محمد : لو قال أنت مدبر على ألف فالقبول بعد الموت ليعتق فيلزمه المال ، ومعلوم أنه ذكر في الجامع في مسألة أنت حر بعد موتي على ألف أن القبول بعد الموت فقد سوى بينهما في هذه الرواية في أن القبول بعد الموت كما سوى أبو حنيفة ذكرنا عنه كذلك ، وحينئذ فما قيل إنهم أجمعوا أنه لو قال أنت حر على ألف بعد موتي فالقبول بعد الوفاة لا يصح ، إذ يجب أن يجعل قول أبي يوسف في قوله إذا مت فأنت حر على ألف أن القبول في حالة [ ص: 13 ] الحياة رواية في أنت حر بعد موتي على ألف أن القبول في حالة الحياة بل أولى ; لأن هناك الإيجاب معلق صريحا بالموت ومع ذلك جعل القبول في الحال وهنا هو بالموت مضاف . ثم لا يخفى أن الأعدل هو لزوم المال على ما ذكرناه عن أبي يوسف ومحمد ; لأن الظاهر من تعليقه بخصوص هذا الشرط ليس إلا حصول المال عوضا عن العتق ، وإلا لقال إن اخترت التدبير فأنت مدبر ، وهذا ; لأن المولى ما رضي بعتقه إلا ببدل ، وتعليقه بقبول المال ظاهر في ذلك ولا مانع شرعي منه إذ المولى يستحق على عبده المال إذا كان بسبب العتق كما في المكاتب وإن لم يستحق عليه بسبب غيره ، على أن المروي عن أبي يوسف ومحمد في المسألة إنما هو استحقاق المال بعد موت السيد وحينئذ يكون حرا . فالحاصل تأخر وجوب المال إلى زمن حريته فلا يلزم ما ذكر من ثبوت الدين للسيد على عبده ، والله الموفق .

وأما وقوع العتق عند القبول فقال المصنف عن المشايخ : لا يعتق ما لم يعتقه الورثة ، وزاد غيره : أو الوصي أو القاضي إن امتنعوا ، وإلا أن الوارث يملك عتقه تنجيزا وتعليقا والوصي لا يملكه إلا تنجيزا ، فلو قال : إن دخلت الدار فأنت حر فدخل لا يعتق ، وإذا أعتقه الوارث فولاؤه للميت ; لأن عتقه يقع له ، ولذا لو أعتقه الوارث عن كفارة عليه لا يعتق ، وعلله بأن الميت ليس أهلا للإعتاق ، قال : وهذا صحيح وكذا قال غيره . واعترض بأن الأهلية ليست بشرط إلا عند الإضافة والتعليق ، ولذا لو جن بعد التعليق ثم وجد الشرط وقع الطلاق المعلق والعتاق ، ولذا يعتق المدبر بعد الموت ، وليس التدبير إلا تعليق العتق بالموت . وأجيب بالفرق بين هذه المسألة وتلك المسائل بأن هناك الموجود بطلان أهلية المعلق فقط وهنا الثابت هذا وزيادة في المحل وهو خروجه عن ملك المعلق إلى ملك الورثة فلم يوجد الشرط إلا وهو في ملك غيره ، ولا يخفى أن هذا ليس دافعا للسؤال ، وهو أن ما علل به من فوات أهلية المعلق لا أثر له ، وما ذكر من خروج المحل عن محليته عتقه إن أراد المجيب أنه جزء المانع فليس بصحيح للعلم بأن انتفاء أهلية المعلق ليس له أثر في عدم الوقوع عند الشرط ، فصار الحاصل من الإيراد أنه علل بما لا أثر له . فأجاب المجيب بإبداء علة أخرى أو مانع وقال : هذا جواب هذا السؤال ، والصواب في الجواب أن المصنف حيث علل بأن الميت ليس أهلا للإعتاق لم يبين أن عدم أهليته لذلك بسبب الموت أو غيره ، ومبنى السؤال على فهم أنه الموت . ويمكن كون مراده أنه ليس أهلا لإعتاقه لخروجه عن ملكه إلى ملك الورثة فصار أجنبيا عنه ، وإنما لزم خروجه إلى ملكهم ; لأنه لا يعتق بمجرد الموت كالمدبر بل بعد القبول الكائن بعد الموت وإذا تأخر العتق عن الموت ولو بساعة لا يعتق إلا بعتق الورثة ، وصار كما لو قال أنت حر بعد موتي بشهر فإنه [ ص: 14 ] لا يعتق إلا بعتقهم .

وبهذا يندفع ما أورده شارح فقال : ينبغي أن يعتق حكما لكلام صدر من الأهل في المحل وإن كان الميت ليس أهلا للإعتاق لما قلنا إن الكلام صدر في حال أهليته ثم استدل على ذلك بأن القبول بعد الموت معتبر وهو فرع كون الإيجاب معتبرا بعد الموت ، فلو لم يعتق بعد الموت إلا بإعتاق واحد من الورثة لم يبق معتبرا بعد الموت فلا يبقى فائدة ; لقوله فالقبول بعد الموت ولا يخفى أن بعد كون الكلام حين صدوره معتبرا يشترط أن يكون في ملكه عند نزول العتق ، ثم نفي الفائدة ممنوع فإن بالقبول يثبت لزوم العتق على الوارث ، فإن لم يفعل أعتقه القاضي ، ولم يكن لولا القبول ذلك بل يباع ويورث فكيف يقال لا فائدة له . نعم يقال إذا كان العتق لا بد منه فما السبب إلى نقله إلى ملكهم ثم أمرهم بالإعتاق إن كان بسبب أنه لا سائبة . فلو بقي في ساعه القبول بلا ملكهم لزم السائبة فلم لم يبق على ملك الميت ويجعل مثل ما هو من حوائجه وهو نفاذ إيجابه وصحته ، ولهذا كان قبوله معتبرا فلا مانع من أن يبقى على حكم ملك الميت مقدار مجلس العلم بموته ; لأن القبول لا يعتبر بعده بل يتقيد به .

وما تقدم من نوادر بشر من قول أبي حنيفة ، فإذا مات المولى وقال قبلت أداء الألف عتق ظاهر في عدم تأخر عتقه إلى عتق الوارث ، كما استدل به ذلك الشارح أيضا مع أن في المسألة خلافا كما يفيده قول الصدر الشهيد حيث قال : ومن المتأخرين من قال ينبغي أن لا يعتق ما لم يعتقه الورثة ; لأن الإعتاق من الميت لا يتصور ، ثم قال : وهذا أصح فإنه يفيد بعد ثبوت الخلاف ، ثم نقول العتق ما وقع إلا من الحي ; لأن العتق بقوله أنت حر المعلق أو المضاف الصادر منه حال حياته ، وإن كان نزول أثره بعد موته إلا أنه يبقى عليه إشكال هو لزوم أن يبقى على ملك الميت شهرا فيما إذا قال أنت حر بعد موتي بشهر اعتبارا لحاجته إلى نفاذ إيجابه واعتباره ، وطول المدة وقصرها لا أثر له ، فإن الموجب حاجته إلى ما ذكر وهي متحققة فيهما ، وسيأتي لبعضهم فرق في الباب بعده .




الخدمات العلمية