الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 72 ] ( ولو قال أقسم أو أقسم بالله أو أحلف أو أحلف بالله أو أشهد أو أشهد بالله فهو حالف ) ; لأن هذه الألفاظ مستعملة في الحلف وهذه الصيغة للحال حقيقة وتستعمل للاستقبال بقرينة فجعل حالفا في الحال ، والشهادة يمين ، قال الله تعالى { قالوا نشهد إنك لرسول الله } ثم قال { اتخذوا أيمانهم جنة } والحلف بالله هو المعهود المشروع وبغيره محظور فصرف إليه . ولهذا قيل لا يحتاج إلى النية . وقيل لا بد منها لاحتمال العدة واليمين بغير الله .

التالي السابق


( قوله : ولو قال أقسم إلخ ) إذا حلف بلفظ القسم فإما بلفظ الماضي أو المضارع وكل منهما إما موصول باسم الله تعالى [ ص: 73 ] أو بصفته أو لا ، فإذا كان ماضيا موصولا بالاسم مثل حلفت بالله أو أقسمت أو شهدت بالله لأفعلن وكذا عزمت بالله لأفعلن فهو يمين بلا خلاف ، وإذا كان مضارعا مثل أقسم بالله أو أعزم بالله إلخ فكذلك عندنا ، وعند الشافعي لا يكون يمينا إلا بالنية لاحتمال أن يريد به المستقبل وعدا . ووجه قولنا أن هذه الصيغة حقيقة في الحال ومجاز في الاستقبال على ما تقدم في العتق للمصنف ، ولهذا لا ينصرف إليه إلا بقرينة السين ونحوه فوجب صرفه إلى حقيقته . وأما الاستشهاد بأن في العرف كذلك كقولهم أشهد أن لا إله إلا الله ففيه نظر ; لأن ذلك بدلالة الحال للعلم بأن ليس المراد الوعد بالشهادة ، وكذا قول الشاهد أشهد بذلك عند القاضي ليس فيه دليل على أنه في نفسه كذلك عرفا فجاز أن يقال هي للمستقبل ، ويستعمل للحال بقرينة حالية أو مقالية كالتقييد بلفظ الآن ونحوه ، وإن ذكره من غير ذكر اسمه تعالى فيها مثل أحلف لأفعلن أو أقسم أو أشهد أو أعزم أو حلفت فعندنا هو يمين نوى أو لم ينو ، وهو رواية عن أحمد .

وقال زفر : إن نوى يكون يمينا وإلا لا . وقال الشافعي : ليس بيمين نوى أو لم ينو ، وهو رواية أخرى عن أحمد . وقال مالك : إذا نوى في قوله أقسم بالله إلخ يكون يمينا ، وإن أطلق فلا . وجه قولهم أن أقسم يحتمل أن يكون بالله أو بغيره فلا يكون يمينا ، وكذا يحتمل العدة والإنشاء للحال فلا يتعين يمينا كذا قيل ، وإنما يشهد لقول القائل إن نوى كان يمينا وإلا فلا . وجوابه ما ذكره المصنف من أنه حقيقة في الحال فانصرف إليه ، ومن أن الحلف بالله هو المعهود المشروع وبغيره محظور فصرف إليه : أي إلى الحلف بالله ولهذا قيل لا يحتاج إلى النية ، وقيل لا بد من النية لاحتمال العدة : أي لاحتمال استعماله في المستقبل ولاحتمال اليمين بغير الله تعالى فقد حكى المصنف وغيره هذا الخلاف صريحا في المذهب .

ومنهم من صرح بأنه إذا لم يذكر المقسم به يكون يمينا عند علمائنا الثلاثة نوى أو لم ينو : يعني إذا نوى اليمين أو لم ينو شيئا . أما إذا نوى غيره فلا شك أنه لا يكون يمينا فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن يكون حالفا لمن يستحق اليمين عليه شرعا فإن اليمين على نية المستحلف لا الحالف حينئذ . وقد وقع في هذه المسألة خبط في موضعين أشدهما في الحكم ، وهو توهم صاحب النهاية أن مجرد قول القائل : أقسم أو أحلف موجب للكفارة من غير ذكر محلوف عليه ولا حنث إذ أورد السؤال القائل : اليمين ما كان حاملا على فعل شيء أو تركه موجبا للبر ، وعند فواته موجبا للكفارة على وجه الخلافة . فقوله أقسم هاهنا ليس موجبا شيئا من البر بمجرده ; لأنه لم يعقد يمينا على فعل شيء أو تركه فكيف يكون يمينا ; ولأن الكفارة [ ص: 74 ] لستر ذنب هتك حرمة الاسم ، وليس في أقسم مجردا هتك ، فكيف يوجب الكفارة . ثم أجاب بأن قوله أقسم ألحق بقوله على يمين فإن ذلك يوجب الكفارة ذكره في الذخيرة وغيرها فقال : لو قال علي يمين أو يمين الله فهو يمين ، وفي المنتقى : لو قال علي يمين لا كفارة لها تجب الكفارة وإن نفى الكفارة صريحا ; لأن قوله علي يمين لما كان موجبا للكفارة لا يفيد قوله : لا كفارة لها : ثم قال : وإنما كان كذلك ; لأن كلمة علي للإيجاب ، فلما كان كذلك كان هذا إقرارا عن موجب اليمين وموجبها البر إن أمكن وإلا فالكفارة ، ولم يمكن تحقيق البر هاهنا ; لأنه لم يعقد يمينه على شيء فكان إقرارا عن الموجب الآخر وهو الكفارة على وجه الخلافة ، وبالإقرار يجب الحد فكذا الكفارة ، وكذا في قوله علي نذر فيه كفارة يمين على ما يجيء بعد هذا . فلما كان كذلك في قوله علي يمين وعلي نذر كان في قوله أقسم عند قران النية بالقسم كذا ; لأن أصله الحال في استعمال الفقهاء .

ثم قال : وحاصل ذلك أن قوله أقسم لما كان عبارة عن الإقرار بوجوب الكفارة لم يحتج إلى وجوب البر ابتداء ولا إلى تصور هتك حرمة الاسم وقد شنع على هذا بأن اليمين بذكر المقسم عليه ، وما ذكر في الذخيرة من أن قوله علي يمين موجب للكفارة معناه إذا وجد ذكر المقسم عليه ونقضت اليمين ، ولا شك في ذلك ، وإنما ترك ذلك للعلم به ، فإن المقصود الذي يحتمل أن يخفى هو أن قوله علي يمين هل يجري مجرى قول القائل والله أو لا ، فإما أن بمجرد ذكر ذلك يحتمل أن تجب الكفارة فلا خفاء فيه فيحتاج إلى التنصيص عليه ، ألا ترى إلى قول محمد في الأصل وإن حلف بالله أو باسم من أسمائه أو قال والله أو بالله أو علي عهد الله أو ذمته أو هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو قال أشهد أو أشهد بالله أو أحلف أو أحلف بالله أو أقسم أو أقسم بالله أو علي نذر أو نذر الله أو أعزم أو أعزم بالله أو علي يمين أو يمين الله أو ما أفاد عين ذلك ، ثم قال : فهذه كلها أيمان ، وإذا حلف بشيء منهما ليفعلن كذا وكذا فحنث وجبت عليه الكفارة .

وقد ذكر منها هو يهودي أو نصراني ، وأن يقول والله وبالله وتالله وحكم على كل منها أنه يمين ، ولم يلزم من ذلك أن بمجرد قوله والله أو قوله هو يهودي تلزمه الكفارة ، بل صرح باشتراط الحنث في كل منها للزوم الكفارة كما سمعت قوله وإذا حلف بشيء منها ليفعلن كذا وكذا فحنث وجبت عليه الكفارة ، ولأن من الظاهر أن مجرد الإقرار بوجوب الكفارة لا يوجب الكفارة إلا إن كان في القضاء ; لأنه يؤاخذ بإقراره ، وليس الكلام في أن يقول : أقسمت عند القاضي بل لو أقر به كان سبيله أن يفتيه بقوله إن كنت صادقا فعليك الكفارة ، وإنما الكلام في الحنث في اليمين وهو الإنشاء ، والحق أن قوله علي يمين إذا لم يزد عليه على وجه الإنشاء لا الإخبار يوجب الكفارة بناء على أنه التزم الكفارة بهذه العبارة ابتداء كما يأتي في قوله علي نذر إذا لم يزد عليه فإنه مثله من صيغ النذر ، ولو لم يكن كذلك لغا ، بخلاف أحلف وأشهد ونحوهما ليست من صيغ النذر فلا يثبت به الالتزام ابتداء .

والموضع الآخر استدلال صاحب النهاية وغيره على أن مجرد قوله أحلف أو أقسم يمين بقوله تعالى { يحلفون لكم لترضوا عنهم } وقوله تعالى { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } ولا يخفى على أحد أن قوله أقسموا إخبار عن وجود قسم منهم ، وهو لا يستلزم أن ذلك القسم كان قولهم نقسم لنصرمنها ، فإنهم لو قالوا والله لنصرمنها مصبحين لصح أن يقال في الإخبار عنهم أقسموا ليصرمنها ، ومثله في { يحلفون لكم لترضوا عنهم } لا يلزم كون حلفهم كان بلفظ الحلف أصلا فضلا عن لفظ الحلف بلا ذكر اسم الله تعالى ، وإنما استدل على ذلك بحديث { الذي رأى [ ص: 75 ] رؤيا فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر ائذن لي فلأعبرها فأذن له فعبرها ، ثم قال : أصبت يا رسول الله ، فقال أصبت وأخطأت ، فقال أقسمت يا رسول الله لتخبرني ، قال لا تقسم } هكذا رواه أحمد وهو في الصحيحين بلفظ آخر .




الخدمات العلمية