الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم: عـمـر عبيـد حسـنة

الحمد لله الذي بدأ الرسالة الخاتمة بكلمة (اقرأ) ، وجعل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وحدد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالبلاغ المبين، فقال تعالى: ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) ( النور: 54) ، وقال: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ( المائدة: 67) ، فكان القرآن المصدر الأول للخطاب الإعلامي ، وكانت قراءته على التجمعات البشرية وإيصاله إلى الأسماع، من أعلى مراتب الدعوة والجهاد وأسماها، قال تعالى: ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ( ق :45) ، وقال: ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) ( الفرقان: 52) ، ولا يزال القرآن، المعجزة البيانية الخالدة المجردة عن حدود الزمان والمكان، هـو مصدر تشريع المسلمين، وفكرهم، وقوتهم، ووحدتهم، وحسبنا أن نقول: بأن الأمة المسلمة تشكلت من خلال الخطاب القرآني، واستمرت من وحي عطائه الدائم..

والصلاة والسلام على الرسول المعلم، الذي أوتي جوامع الكلم، ليكون في الذروة من البلاغة والبيان ، القائل: ( نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها ) ، ( بلغوا عني ولو آية، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هـو أفقه منه ) ، والذي كان يشهد الله، في المواقف المتعددة، على أنه أدى الأمانة بإبلاغ الرسالة: ( ألا هـل بلغت، اللهم فاشهد ) .

وبعد:

فهذا الكتاب الثامن والعشرون: (مقالات في الدعوة والإعلام الإسلامي ) عبارة عن مجموعة لبعض الإخوة -سبق نشر معظمها في مجلة الأمة- من الذين اجتهدوا في وضع الأطر المناسبة والمطلوبة للارتقاء بمهمة البلاغ المبين: (الدعوة والإعلام ) ، إضافة إلى بحث للدكتور عبد القادر طاش ، رئيس قسم الإعلام الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سابقا، رأينا جمعها ونشرها في سلسلة كتاب الأمة التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية في دولة قطر ، مساهمة في النهوض والارتقاء بأدوات التوصيل للخطاب الإسلامي المعاصر، وإلقاء الأضواء على بعض الشروط والمواصفات الغائبة لهذا الخطاب، التي كانت السبب في محاصرته، سواء في ذلك الإصابات الداخلية التي لحقت بالشخصية المسلمة، فأفقدتها فاعليتها، وأقعدتها عن أداء رسالتها في البلاغ المبين حتى خفت صوتها، وضعف أداؤها، وانحسر أثرها، وأفل نجمها، فأصبحت تسيء بدعوتها لدينها أكثر من أن تغري به، أو الإصابات الخارجية من التضليل الثقافي والغزو الفكري ، أو التشويش والشغب الإعلامي، الذي كان عنوانه ولا يزال، ما حكاه القرآن: ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) ( فصلت:26) .

وقد لا نغالي إذا قلنا: بأننا نعيش اليوم مرحلة الدولة الإعلامية الواحدة التي ألغت الحدود، وأزالت السدود، واختزلت المسافات والأزمات.. اختصرت التاريخ وتكاد تلغي الجغرافيا، حتى بات الإنسان يرى العالم ويسمعه من مقعده، ولم يقتصر ذلك على اختراق الحدود السياسية، والسدود الأمنية، وإنما يتجاوز إلى إلغاء الحدود الثقافية، ويتدخل في الخصائص النفسية وتشكيل القناعات العقيدية فيعيد بناءها وفق الخطط المرسومة لصاحب الخطاب الأكثر تأثيرا، والبيان الأكثر سحرا، والتحكم الأكثر تقنية.

وبالإمكان القول: بأن المعركة الحقيقية المستمرة والفاصلة اليوم هـي معركة الإعلام، بعد أن سكتت أصوات المدافع، وتوارى أصحابها، وأصبحوا لا يدعون إلى الظهور إلا في الأوقات الاستثنائية التي يغيب فيها الرشد، وتهزم الفكرة، وتنتصر الشهوة، ويرتكس الإنسان إلى حياة الغابة، وحتى في هـذه الأوقات الاستثنائية، يبقى الإعلام من أخطر أسلحتها أيضا.

لقد أصبح الإعلام علما له مقوماته، ومعاهده، وشروطه، وتقنياته، ومتخصصوه، وفنا له مستلزماته وأدواته، كما أصبح ثمرة تشارك في إنضاجها كل المعارف والعلوم، وتوظف لها أرقى الخبرات، وصناعة من الصناعات الفكرية الثقيلة لها مؤسساتها، وخططها، ونفقاتها، بل لعل نصيب الدعم الإعلامي في كثير من الدول اليوم من الميزانيات، يفوق الدعم الغذائي، الذي به قوام الحياة.. ولئن كان الإعلام في الماضي يوظف ليكون أداة ترفيه وترويح وتسلية يعيش على هـوامش المجتمع وفي خارجه، فهو اليوم في صميم المجتمع، يوظف الترفيه والتسلية لأداء رسالة، وإيصال فكرة، وتشكيل عقل، وصناعة ذوق عام، وزراعة اهتمامات معينة، حتى إنه لم يعد يكتفي برصد الحدث، وإيصال المعلومة، بل أصبح بما يمتلك من قوة وعوامل تأثير وضغط وتحكم، يقوم بصنع الحدث، والتحضير له في الوقت نفسه.

ولا شك أن مشكلة التخلف الإعلامي التي تعاني منها الأمة المسلمة اليوم هـي مظهر للمشكلة الأساسية التي تعاني منها على مختلف الأصعدة، بل لعل الإعلام هـو أحد إفرازاتها.. وتبقى المشكلة الأساسية هـي مشكلة التخلف، حيث لا يمكن أن يتصور نمو في جانب، وتخلف في الجوانب الأخرى.. لذلك فعملية التنمية لا بد أن تكون شاملة، وذلك بإعادة صياغة الشخصية من جديد.. ويبقى للإعلام دور كبير في هـذه الصياغة، وفي توفير المناخ المناسب لعملية اليقظة والتحول من مجتمع الغفلة والسبات إلى مجتمع الصحوة والبصيرة.. فهو مقدمة ونتيجة في آن واحد، فالإعلام يصوغ الشخصية، ويصاغ من خلالها.

من هـنا، كان لا بد أن ندرك الأبعاد المتعددة والخطيرة للعملية الإعلامية، التي تبدأ بالتسلل إلى داخل الأمة فتخترقها، ثم تعمل على التحكم فيها، واحتوائها، وبذلك تلقي القبض على عقلها، وعواطفها، واهتماماتها، فتعيد تشكيلها للخطط المرسومة.. وأخطر ما في الاختراق والتحكم الإعلامي، أو الاحتواء الإعلامي: توهم الأمم المخترقة أنها تمتلك إرادتها، وتصنع رأيها، وتتخذ قرارها بنفسها، دون أن تشعر بأنها إنما تدور في الفلك المرسوم لها، وتحرك بأجهزة ( الريموت ) من بعيد.

وحسبنا أن نعلم أن الحصار الإعلامي اليوم -قبل مرحلة أقمار البث المباشر المنتظرة التي تنوي الدول القوية زراعتها فوق رءوسنا وتسليطها على حواسنا حيثما كنا- يطبق علينا من كل جانب، وأن الاستهلاك الإعلامي في العالم الإسلامي للمواد المصنعة في الخارج يزيد عن 80% من المطروح يوميا، بينما لا يصل الإنتاج الإعلامي المحلي في أحسن الأحوال إلى 20%، ويأتي هـذا في معظمه محاكاة لأفكار، وإنتاج، وإخراج الدول المتحكمة إعلاميا.. وشأننا في ذلك، هـو شأن الإنسان الاستهلاكي لأشياء الحضارة، العاجز عن إنتاجها، الذي سوف ينتهي، شاء أم أبى، إلى لون من الارتهان الإعلامي والثقافي والحضاري ، ذلك أن الإعلام -كما أسلفنا- لم يعد يقتصر على إيصال المعلومة وإنما يساهم بتشكيل الإنسان، وتحضيره لقبول المعلومة التي يريد، دون أن يدع له الفرصة لفحصها واختبارها، لقبولها أو ردها.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فلا تخرج العملية الإعلامية في عمومها عن غيرها من عمليات التحكم المتعددة التي تمارس من عالم الأقوياء على عالم الضعفاء والمتخلفين، للحيلولة دون ردم فجوة التخلف، وإلغاء التبعية الفكرية، والإعلامية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية.. فالقدرات والقابليات الإعلامية المبدعة التي قد تشكل الأمل للخروج من دائرة التحكم، لا تجد لها مكانا ولا مناخا في العالم الإسلامي، لذلك نرى استمرار نزف الطاقات، وامتصاص تلك القدرات المبدعة، الأمر الذي يجعل العالم الإسلامي والعالم الثالث بشكل عام، صدى لأفكار الغرب، ومنتجاته الإعلامية التي تمهد لتسويق أفكاره وأشيائه معا، ويستمر الفقر الإعلامي ، والفقر الفكري ، إلى جانب مظاهر الفقر الأخرى..

إن الطاقات المبدعة، على المستوى الإعلامي وغيره، لا يمكن أن تستنبت في أجواء القمع والإرهاب ، والاستبداد السياسي ، والظلم الاجتماعي التي يكرسها الإعلام الأقوى، وغياب الحرية وحقوق الإنسان التي تمثل الشروط الطبيعية والضرورية للنمو والإبداع، ذلك أن من لوازم الطرد من هـنا، والجذب من هـناك، إشاعة مناخ الاستبداد والقمع، وتضييق فرص الحرية هـنا، وإتاحتها هـناك..

وقد لا يكون مستغربا في عالمنا اليوم، أن الأمر تجاوز هـجرة العقول والسواعد معا إلى هـجرة الأجنة قبل الولادة (! ) فلعل من أعز الأماني أن تلد الأمهات أجنتها في أوروبا أو أمريكا لاكتساب الجنسية، التي تمكن من الارتحال إلى هـناك في قابلات الأيام.

إن هـذه الجراحات النفسية والثقافية العميقة التي لحقت بالأمة، لا بد لها من رجال دعوة مؤهلين يحتسبون أجرهم عند الله، كما لا بد لها من إعلام مؤثر ومخطط، ومدرك تماما للساحة التي يعمل فيها، والمخاطر التي تحيط به من الخارج، ليكون قادرا على معالجتها، ومن ثم القدرة على التعبير عن رسالة الإسلام بثقافته، وحضارته، وعطائه للإنسانية، متجاوزا الصورة المنفرة التي عليها المسلمون.

وتكاد تكون أزمتها الأساسية واحدة في حقيقتها، وإن اختلفت مظاهرها، وتعددت آثارها من موقع إلى آخر عندما ننظر إلى قضايانا، ذلك أننا لا نعترف بمسئوليتنا عما لحق بنا، ولا نواجه ما أصابنا بجرأة وشجاعة، لنكشف مواطن التقصير، ونحدد أسباب القصور لنستدركها، وإنما لا نزال نلقي بالتبعة على الآخرين الذين هـم دائما سبب بلائنا ومصائبنا جميعا، لنعفي أنفسنا من المسئولية دون أن ندرك أننا نلغي أنفسنا وأهليتنا في التعامل مع العصر الذي نعيشه.. فلو جئنا نعرض لمظاهر السيطرة على وسائل الإعلام من قبل المؤسسات التنصيرية والصهيونية والعلمانية الإلحادية ، لكان عندنا الكثير الذي نقوله، والمزيد من الشعارات التي نرفعها في هـذا المجال، أما حين نقوم بعملية مراجعة بسيطة لما قدمنا، أو ما يمكن أن نقدم في هـذا المجال، فتخفت أصواتنا، وتتقزم قاماتنا، وتتضاءل حصيلتنا حتى تكاد تصبح صفرا، أو ما يعادل الصفر.. وما أسهل أن نصنع المسوغات لما نفعل، ونعايره بمعايير غربية وعجيبة ومضحكة، وذلك عندما نحكم عليه بأنه أفضل من لا شيء، دون أن ندري أننا نسويه ونقايسه بالعدم.

ونستطيع أن نقول: بأننا حتى هـذه اللحظة، وعلى الرغم من كل الهزائم الإعلامية والتحكم، ما نزال نمتلك من وسائل الإعلام، في تعددها وتنوعها وقدرتها على التأثير ما لا يمتلكه أحد، لكن يبقى المطروح: كيف يمكن لنا أن نعيد لها الحياة، والتأثير، والقدرة على التغيير؟

فلو أحصينا عدد منابر الجمعة اليوم في العالم الإسلامي، التي يبدأ بناء مساجدها إلى جوار أول بيت في القرية، ويمتد إلى كل حي في المدينة -وخطبة الجمعة والسعي إليها، والسماع لها دون لغو أو انصراف من فروض الدين- لأدركنا أهمية المواقع والوسائل الإعلامية التي نمتلكها، وما يمكن أن تفعله في العالم لو كنا في مستوى المسئولية المنوطة بنا، واستشعرنا التحدي الذي يواجهنا.. والمنبر، بعض أشياء المساجد، ووسائله، فإذا أضفنا إلى ذلك المحراب وعطاءه خمس مرات يوميا، يتلو المعجزة البيانية على عقول وقلوب الأمة، وشعيرة الآذان التي تعلن بالمرتكزات الأساسية للعقيدة والرسالة الخاتمة، تنادي الناس وتوقظ النيام كلما كادوا يغفلون، لأدركنا أي تخاذل إعلامي، وأي عطالة فكرية نعيشها، الأمر الذي يقتضي أن نؤدب على معاصينا أكثر مما نحن فيه.

ولعل بعض وسائل وأساليب الخطاب الإسلامي المعاصر، تؤثر سلبا على مسار الدعوة الإسلامية ومواقف الناس منها، وذلك عندما يكون الطرح سيئا، أو جاهلا، أو غبيا، أو ساذجا، فيسيء إلى الإسلام وعظمته، ويزهد الناس فيه، ويخوفهم منه، ويجعلهم يتوهمون أن حالتهم أفضل مما يدعون إليه.

لذلك نقول: إن الخطاب الإسلامي المعاصر لم يتمكن من استيعاب أقرب الناس إليه، أو أكثرهم استعدادا للتجاوب معه، وهم جمهور المسجد، علاوة عن كسب الآخرين.. فهو خطاب أقرب إلى السلبية ، والجزئية ، والأحادية ، والارتجال ، والحماس ، والذاتية ، منه إلى التفاعل مع هـموم الأمة.

لقد استطاع المسلمون في جيل القدوة أن يوظفوا كل الإمكانيات المتاحة للإعلام، فوقفوا على أعلى مكان، ورفعوا أصواتهم إلى القدر المستطاع لإيصال صوت الإسلام بالآذان.. ووقف الرجال من حول الرسول صلى الله عليه وسلم ، يبلغون صوته وتعاليمه إلى الأسماع التي لم يصلها الكلام، سواء كان ذلك في الخطبة أو الدرس، أو الصلاة.. استخدموا كل ما هـو متاح في البيئة المحيطة بهم من الوسائل الممكنة، وكانوا في مستوى إسلامهم وعصرهم.. لكن للأسف، توقف المسلمون، وتطورت وسائل الإعلام على أيدي غيرهم.

وحالهم اليوم تجاه وسائل الإعلام الحديثة كما هـي الحال تجاه المنتجات الحضارية الكثيرة الأخرى.. إنهم يعيشون أزمة، بعضهم يرى هـدم هـذه الوسائل وتحطيمها وإلغاءها؛ لأنها طرائق الشر، ووسائل الشيطان..

وبعضهم يظن أنه يحل المشكلة بمقاطعتها، والابتعاد عنها وعدم إدخالها منزله والسماح لأسرته ومن يعول، بالركون إليها. وإلى جانب ذلك هـناك من العاملين للإسلام من لا يزال مصرا على الدعوة إلى الانسحاب من المؤسسات الجاهلية، ومفاصلتها، حرصا على تحرير ولاء المسلم، والمحافظة على إيمانه حتى تموت الجاهلية من تلقاء نفسها، أو تخلي لنا الميدان، بعيدا عن سنن الله في التدافع الحضاري .

والموقف الثالث، وهو الأصعب طبعا، في كيفية تحويلها وتسخيرها لتكون في خدمة الحق والخير ، وهو الموقف الراشد واللائق بأمة تمتلك الرسالة المعيارية التي تمكنها من التعامل مع الأشياء والحكم عليها، أمة تستطيع بما تمتلك من رؤية سليمة، تحويل النقم إلى نعم، وهضم المنتجات الحضارية وجعلها في خدمتها، ذلك أن هـذه الوسائل بقدر ما تشكل نقمة وخطورة، بقدر ما تتيح من فرص ونعم لعملية البلاغ المبين، لو كنا في مستوى إسلامنا وعصرنا.

وقد تكون المشكلة اليوم، هـي الخلل في معادلة الدعوة والعمل الإسلامي الذي حال دون نمو الاختصاصات، والتنبه لها بشكل مبكر، والعجز عن استشراف المستقبل والتحديات المحيطة، والإبقاء على الوسائل البدائية في الدعوة والبلاغ المبين ، والتوهم بأن الوسائل من الثوابت والمقدسات، التي لا يجوز تطويرها أو حتى مراجعتها ودراسة جدواها، وبذلك أصيبت أجهزة الدعوة على يد أصحابها أكثر مما أصيبت على يد أعدائها، وبدأ دور الإسلام يتضاءل ويتراجع، وينفصل عن الحياة إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن المنبر انفصل عن المصلين في داخل المسجد، قبل أن ينفصل عن صياغة المجتمع خارج المسجد، فافتقدنا فاعلية ما نملك، إضافة إلى أننا لم نقدر الأوعية الإعلامية الكثيرة حق قدرها من مسرح ، وسينما ، وتليفزيون ، وإذاعة ، إلى جانب الوسائل الأخرى من رواية وقصة وغير ذلك.

لقد بدأ الموقف بالرفض، وهو الموقف الأسهل دائما، وذلك بتحريم هـذه الوسائل لحرمة ما يعرض فيها، ككل جديد لم تدرك خطورته وكيفية التعامل معه.. وبعد أن خطت خطوات عريضة، وفرضت وجودها بسبب غيابنا وتخاذلنا، وبدأت نتائج تأثيرها تتضح شيئا فشيئا، جئنا لندخلها بأساليب بدائية وساذجة ومحزنة، يمكن أن تشكل عبئا على المسلم بدل أن تقدم له شيئا يذكر.. ومعظم الفقرات التي تقدم اليوم باسم الإعلام الإسلامي ، تفتقر كثيرا إلى السمات والقوالب الإعلامية المتخصصة والمؤثرة، وكثيرا ما يكون السكوت عن نقدها وبيان سطحيتها، بسبب من الانحياز العاطفي للإسلام، ثم تكون النتيجة: عملية حسابية بائسة ومهزومة، بأنها أحسن من لا شيء.. وقد يكون هـذا أكثر وضوحا في مجالات السينما، والمسرح، والتليفزيون، والأوعية الإعلامية الحديثة التي لم نقدرها حق قدرها، ولم ندرك تأثيرها إلا في الزمن الأخير، وليت هـذا الإدراك يقودنا إلى الخطوات الصحيحة، ويخرجنا من حالة الندب والتشاكي والتلاوم التي تستنزف الطاقة، دون أن تسهم بشيء من الحل.. فالخطوات، مهما جاءت متأخرة وبطيئة، إلا أنها في النهاية، تطمئن إلى التحول من رد الفعل إلى الفعل، ومن الأماني إلى الآمال، ومن الأمل إلى العمل.. لكن المشكلة إنما تتكرس باستمرار التوقف، أو الإقدام على تقديم الإسلام من خلال أوعية إعلامية ساذجة تسيء إلى صورته إذا ما قورنت بما توصل إليه الإخراج والإنتاج الإعلامي اليوم.

وليس ما يسمى بالصحافة الإسلامية ، أو الصفحات الدينية المعزولة عن السياق العام للصحافة، حيث الكثير من المواد الصحفية الأخرى لا تنضبط بالقيم الإسلامية في الصحافة اليومية، أو الأسبوعية أحسن حالا إذا نظرنا إليها ضمن الإطار الإعلامي المقروء والمكتوب، ذلك أن العقل المسلم المعاصر لا يزال بعيدا عن تقدير قيمة التخصص، ويتوهم أن بمقدور الإنسان أن يتسع علمه وعمره لأن يكون: مفكرا، وشاعرا، وأديبا، وراوية، ورساما، وكاتبا، وعالما، ومخرجا، ومنتجا، وواعظا في الوقت نفسه.. إنه يدعي أنه يعلم في كل شيء، في الوقت الذي نراه قد لا يحسن شيئا وإنما هـي نقرات هـنا وهناك.. وما لم تأخذ قضية التخصص وتقسيم العمل، بعدها ومكانها ومكانتها في العقل المسلم، فسوف يستمر تكريس التخلف باسم التدين، ونوهم أنفسنا بأننا نقدم إعلاما إسلاميا..

فقد لا نجافي الحقيقية كثيرا إذا قلنا: إن الكثير من مواقعنا في مجال الإعلام، وغيره، يحتلها أصحاب الولاء ، والانتماء ، والتحزب ، وفي أحسن الأحوال أهل الحماس، ويفتقد فيها أهل الاختصاص والأهلية.. يكثر فيها الخطباء، ويغيب عنها الفقهاء، بالمعنى العام لكلمة الفقه .. وإذا كان هـذا غير مقدور عليه خارج نطاق المؤسسات الإسلامية، لسبب أو لآخر، فإن وجوده في بعض المؤسسات الإسلامية، يجعلها عاجزة عن علاج نفسها علاوة عن علاج أمر غيرها.

فالكثير من المؤسسات الصحفية الإعلامية التي ترفع الشعار الإسلامي، لا تزال تفتقد الكوادر البشرية المسلمة المتخصصة والمدربة، وتعيش على المخرج والمنتج والفنان الذي تربى في مدارس بعيدة أصلا عن الرؤية الإسلامية الأصيلة، على الرغم من هـذا التاريخ العريق في الدعوة ومسئولية البلاغ المبين .

كما أن خطابها في معظمه لا يزال داخليا، لم تستطع أن تصل به إلى مرحلة الخطاب العام والعالمي، علما بأن الخطاب الإسلامي توجه إلى الناس جميعا منذ اللحظة الأولى لبدء الوحي.. وصحفها أشبه بنشرات داخلية تحاكي وتحاور نفسها، ولم تدرك مهمتها في صياغة وتكوين رأي عام ضاغط، ومؤثر، ومؤمن بأهدافها ورسالتها.. فحاصرت نفسها قبل أن يحاصرها أعداؤها، وعجزت عن إيجاد قواسم مشتركة ومد جسور التواصل إلى (الغير ) ..وبعضها، على أحسن الأحوال، صحافة مؤسسات رسمية محددة الإطار مسبقا، أو صحافة موظفين يؤدون وظيفتهم، دون فاعلية أو حياة.. فهي أقرب إلى مادة الكتاب منها إلى أوعية الفن الصحفي.

لذلك، نراها الأقدر على الأسلوب التعبوي في أحسن الأحوال، وإن تجاوزته، فإنما تتجاوزه إلى لون من الهجوم والمواجهة دون القدرة على الحوار والمناقشة، والفهم لعوامل وشروط مكونات الرأي العام، حيث لا يمكن أن يتم التدين والاقتناع إلا بدون إكراه.

كما أنها لم تستطع بلوغ الأبعاد الصحفية المطلوبة لإيصال الكلام بالكلمة ، والصورة ، والكاريكاتير ، والرأي ، والاستطلاع .. إلخ..

ولم تستطع أن تدخل إلى قلب المعركة وتحمل هـموم الجماهير، وتقدم لهم الرؤية الإسلامية لحل مشكلاتهم، حيث استغرقت في الماضي ومشكلاته، وفي أحسن الأحوال انشغلت بمشكلاتها عن مشكلات الأمة وتبصيرها بمستقبلها، في الوقت الذي أصبحت المواد الإعلامية عند الآخرين تخضع لاستشارة متخصصين بعلم النفس والاجتماع، والجغرافيا والتاريخ، والفلسفة، والأزياء، والأدوات.. إلخ، لتقدير قيمتها، وجدواها، وأثرها، ومدى ملائمتها لأحوال المتلقي قبل أن تعرض على الجمهور.

لقد أخذ القرآن الناس بالتدرج، وكان لمعظم آياته مناسبات أو أسباب نزول .. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة مخافة السآمة.. وكان يحذر أصحابه الذين يطيلون في العبادة حتى تشق على الناس، من فتنتهم عن دينهم.. وكان الإمام علي رضي الله عنه يوصي بمخاطبة الناس على قدر عقولهم ويقول مستنكرا: " أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟! " وتعريف البلاغة -كما هـو معلوم- هـو مطابقة الكلام لمقتضى الحال.. فأين واقع الإعلام الإسلامي من حال المتلقي؟!

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: ( ليس كل ما يعلم مما هـو حق، يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ، ومما يفيد علما بالأحكام، بل ذلك ينقسم: منه ما هـو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص ) ..

ويضيف موضحا، ومفصلا، ومنبها إلى المنهج العلمي في التعامل مع أحكام الشرع وتوجيهاته، وقضايا الأفراد والمجتمع والدعوة ، فيقول: ( ليس كل علم يبث وينشر، وإن كان حقا.. وقد أخبر مالك عن نفسه أنه عنده أحاديث وعلم ما تكلم فيها ولا حدث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل.. فتنبه لهذا المعنى.. وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة فإن صحت في ميزانها، فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هـذا المساغ فالسكوت عنها هـو الجاري وفق المصلحة الشرعية والعقلية ) ( الموافقات 4/189 -190 ) .

فالأمر لا يتعلق فقط بمعرفة ما يطلبه الشرع منا، والتأكد منه، والانطلاق لإنجازه، بل يتعلق ذلك باستكمال أبعاد أخرى تخص مساحة التنفيذ والتنزيل على الواقع، وكيفياته، ومنهجية ومرحلية الإنجاز.. خصوصا في مراحل نقص آثار النبوة في الخلق، وضعف صلة الناس بالإسلام فهما وممارسة، حيث يحتاج العمل إلى بصيرة نافذة، وعقل راشد، وفقه نضيج يمتلك مفاتيح المعادلات المركبة التي يفرزها التدافع غير المتكافيء بين الحق والباطل ، والصواب والخطأ، والمصلحة والمفسدة ، وهو ما عناه العلماء بقولهم:

(ليس الفقيه هـو من يعرف بأن هـذا مصلحة، وهذا مفسدة، بل الفقيه هـو الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين ) .

فالعالم كما يقول ابن تيمية :

( تارة يأمر وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي، أو الإحاطة.. كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء، حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في البلاغ والبيان كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات، وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى بيانها.. فالمحيي للدين والمجدد للسنة، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه، ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤثر بجميع الدين، ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك.. وإذا لم يطقه، لم يكن واجبا عليه في هـذه الحال. وإذا لمن يكن واجبا، لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه عليه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي، بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات ، وترك الأمر بالواجبات ، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل.. ومن هـنا يتبين سقوط كثير من هـذه الأشياء، وإن كانت واجبة، أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان في الأصل ) ( مجموعة الفتاوى 20/58 -60 ) .

ومع ذلك، لا نزال في دعوتنا وإعلامنا الإسلامي، إن صح التعبير، نلقي الكلام على عواهنه دون أية دراية بمقتضى الحال، حتى أصبح عندنا: كل مقال يصلح لكل مقام، وكل إنسان يصلح لكل عمل، وكأننا نعيش غربة الميراث الثقافي ، وكيفية الإفادة منه، وغربة العصر وفهمه، وكيفية التعامل معه.

وقد نمسك عن النقد ، والتقويم ، والمراجعة ، لأسباب واهية وموهومة، الأمر الذي يحول دون تطور وترقية عملنا في مجال الدعوة والإعلام .. ففي الوقت الذي تتعاظم فيه حركة المد الإسلامي أو الصحوة الإسلامية ، كما اصطلح على تسميتها، نجد أن الأوعية الإعلامية لم تتواز مع سرعة الصحوة وتصاعدها، ولم يستطع الإعلام الإسلامي، القيام بوظيفة ترشيد الصحوة واستشراف مستقبلها، وتوصيل خطابها بالشكل المناسب، بل لعل الإعلام المعادي كان الأقدر في محاولته على محاصرتها، وتشويه صورتها، والتقاط النماذج الشاذة واعتمادها إلى درجة بدأ يرسب معها في أذهان الناس اعتبار أن دعاة الإسلام اليوم هـم آفة الحضارة المعاصرة، وأسباب تخريبها.

لقد وصل الإعلام إلى درجة كبيرة من الخطورة والتأثير بحيث أصبح قادرا على أن يزين الباطل ويجعله حقا، ويزري بالحق ليجعله باطلا، إنه يسحر عيون وأسماع وعقول الناس اليوم، والرسول صلى الله عليه وسلم ، يقول منبها: ( إن من البيان لسحرا )

.. فبلاغة الطرح، وامتلاك القدرة على استخدام وسائل التأثير، تسحر الإنسان، فلا يعود يبصر الحق، وإذا امتلك حرية التفكير، فإنه يفتقد حرية الاختيار، وينساق وراء الباطل.

وأمام المد الإسلامي العظيم، كان لا بد من بعض الاستجابات، وبعض المحاولات، فأنشئت معاهد وأقسام للدعوة والإعلام الإسلامي في المعاهد والجامعات، لكنها لم تمتلك القدرات الأكاديمية الكافية، والخبرات العلمية المتراكمة التي تؤهلها تماما للقيام بمهمتها، ولم يتوفر لها الكوادر البشرية المتخصصة، لأن الصحوة في بواكيرها، كانت حركة وعي وتعبئة، ودفاع عن النفس، وإثبات للوجود، وتحقيق للذات، أكثر من أن تكون حركة نهضة متكاملة تضبط النسب، وتبصر الحاجات، وتوفر التخصصات المطلوبة، وتؤمن بضروريتها وتدرك أهميتها، الأمر الذي أصبح من الضروريات اليوم.

لقد اتكأ الكثير من رجالها في خطابه على مفهومات كان الارتكاز إليها طبيعيا في مرحلة معينة، أما اليوم فقد أصبحت بحاجة إلى المراجعة.. ولئن صدقت مقولة: إن المهم إيقاظ الأمة، وتحريك وعيها، وبعد ذلك فالقرآن يمتلك كل شيء: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ( الأنعام:38) ، في المرحلة الأولى لحركة الوعي الإسلامي، فهي اليوم بحاجة إلى بلوغ الأبعاد التخصصية والمقومات الأساسية المطلوبة لترشيدها واستمرارها.. والقرآن، يضع الأصول والمبادئ والقيم التي لا تغني عن البرامج، والخطط التي تبصر المتغيرات، وتدرك أبعاد الخطاب ومقاماته في كل زمان ومكان.

وقد نكون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى القيام بالمراجعة للخطاب الإسلامي في الدعوة والإعلام ، وخاصة في هـذه المرحلة بالذات، حيث السقوط الحضاري ، والثقافي ، والسياسي ، والاقتصادي ، للمقولات العالمية التي كانت تشكل أمل الفقراء، والتي تولدت نتيجة الظلم الاجتماعي ، والاستبداد السياسي ، فجاءت لتعالج أزمة الإنسان فعالجت الانحراف بانحراف أشد، فسقطت مقولاتها جميعا بعد أن كادت تعتبر التطور الحتمي للمجتمعات البشرية.

والأمر العجيب أن صدى هـذه المقولات ما يزال يسمع في العالم الإسلامي، وتحاول أن تتبناه بعض المؤسسات والمنتديات، والجهات المتنفذة لتواجه به الفكر الإسلامي، في محاولة لإعادة الحياة إليها بعد أن أصبحت جثة هـامدة، في الوقت الذي نرى فيه تخلف الوسائل الإعلامية وغياب عملية البلاغ المبين، القادرة على اغتنام الفرصة والانطلاق الإسلامي لإنقاذ البشرية.

وتكاد تكون معادلة المسلمين الصعبة اليوم، تكمن في عدم قدرتهم على الارتفاع بخطابهم ودعوتهم إلى مستوى إسلامهم، وعصرهم، وعالميتهم.. وبدل أن يكونوا قادرين على قراءة الأزمات التي تمر بعالمهم والعالم، قراءة إسلامية صحيحة، من خلال إعلام راشد، وبدل أن يكونوا قادرين على توظيف الأحداث لمصلحة الإسلام، ومصلحة الإنسان، نرى الأحداث توظفهم، فيخوض أعداؤهم المعركة بإعلامهم، وتصفى الحسابات بدمائهم، ويقاتلون بالنيابة عن الآخرين، ويعجزون عن الوقوف على ثوابت صلبة، وتأصيل الرؤية الإسلامية البديلة بعد أن سقطت الرؤى ذات النزعات القومية ، والعرقية ، والعلمانية ، والطائفية ، والحزبية التي اختبأ وراءها أعداء الإسلام، ولم تجن الأمة منها إلا الصاب والعلقم.

إن عالمية الرسالة تقتضي عالمية الخطاب ، وعالمية الخطاب لا تبلغ مداها المطلوب ما لم تكن عندنا القدرة أولا على فهم العالم بعقائده، وثقافاته، وتاريخه، وحاضره، ومشكلاته، وتطلعاته، وفهم الكيفيات والآليات التي يتم من خلالها تشكيل الرأي العام، وشروط تغيره، والتأثير عليه، كأمور لا بد منها لتحديد المداخل الحقيقية للخطاب، كما لا بد لنا من التمكن من لغات الخطاب العالمية لنكون في مستوى التكليف في قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) ( إبراهيم: 40) .. فاللغة هـي المفتاح الأول، ووسيلة الفهم بأحوال المخاطب.. ومن ثم القدرة على تطوير وسائل الدعوة والإعلام، والتخطيط لها، وتقويمها، واختبار جدواها بين حين وآخر.. كما لا بد من اختيار الوسائل المؤثرة، وتقديم النماذج التي تثير الاقتداء، واستشعار المسئولية العالمية في الشهادة على العالم والقيادة له، وأن لها مقتضياتها، ولها أدواتها أيضا.

والأزمة الإعلامية أو الفكرية التي نعاني منها، هـي من بعض الوجوه: أننا نترجم للآخرين كل شيء، ونرضى أن نبقى في مكان التلقي والاستهلاك.. ولعل هـذا في المجال الإعلامي هـو الأوضح، ففي الوقت الذي نكون فيه عاجزين عن الإنتاج، نصر على ساعات طويلة من البث الإذاعي والتليفزيوني ، الأمر الذي يقتضينا ملء الفراغ بالغث والسمين دون التنبه إلى مخاطره.. وإذا أردنا أن نترجم إلى لغات الآخرين، نترجم بعض الكتب والمقالات التي وضعت وألفت لمعالجة مشكلات العالم الإسلامي بكل ما فيه، فهي على كل الأحوال لا تشكل خطابا مطلوبا للآخرين الذين لهم خصائصهم، ومشكلاتهم، وحاجاتهم، واهتماماتهم المختلفة عن واقعنا، فنسقط في شر أعمالنا، ونسيء من حيث نريد الإحسان.

فالأمة التي لا تخطط لإعلامها، ولا تستشرف مستقبلها، ولا تقدر خطورة التحكم الإعلامي.. أمة كليلة عمياء، بحاجة إلى من يقودها؛ لأنها لا ترى إلى الأمام، ولا تبصر مدارج الترقي والكمال المتاح، فتعد له وسائله..

فالإعلام -كما هـو معروف- هـو إيصال المعلومة، وعملية التوصيل هـذه تتركب من مجموعة عناصر، لكل منها مواصفاته التي لا بد من توفيرها حتى يتحقق المطلوب:

عنصر يتعلق بالمعلومة نفسها من حيث صحتها، ووثائقها، وصوابها.. وعنصر يتعلق بالناقل، المعلم: خصائصه، وصفاته، وقدرته على الإبانة، واستشعاره المسئولية تجاه ذلك.. وعنصر يتعلق بالآليات المستخدمة في إيصال المعلومة المكتوبة، والمسموعة، والمرئية.. وعنصر يتعلق بالملتقي: تاريخه، وثقافته، وواقعه، وعمره الثقافي، ومدى ملائمة المعلومة لعمره العقلي، إلى جانب السياسة المرسومة، وعملية التحكم التي تخضع لها العملية الإعلامية.. فلئن كان الإعلام هـو بث المعلومة وتوظيفها، وتلقيها، وهضمها، واستيعابها، فإن التحكم هـو كيفية استعمال هـذه المعلومة وتوظيفها في تغيير مجرى التفكير، ودفع الاتجاهات النفسية إلى أهداف مقصودة ومحددة مسبقا.. فعملية التحكم الإعلامي هـي الأخطر، وهذه تكمن وراءها مجموعة علوم وخبرات، وتخصصات، لا تغني فيها الحماسة، ولا سماكة الحناجر.

وحسبنا أن نعلم أن لدى اليهود 244 صحيفة أو يزيد في الولايات المتحدة ، منها 158 دورية.. وثلاثين دورية في كندا .. و 118 صحيفة في أمريكا اللاتينية ..و 348 دورية ومجلة في أوروبا .

وحسبنا أن نعلم أيضا أن كبار أصحاب الصحف ورجال الأعمال في مجال الصحافة والإعلام من اليهود، يبذلون اليوم جهودا كبرى لشراء صحف ومحطات إذاعة وتليفزيون في دول أوربا الشرقية .

وتستغل الأوساط الصهيونية مناخ الانفتاح السياسي والاقتصادي لركوب الموجة، واستثمار رءوس الأموال بهدف التأثير على سياسة وتوجيهات الإعلام كوسائل خطيرة في توجيه الرأي العام، وخلق آراء وقناعات محددة في تلك المجتمعات التي بدأت تتقبل كل جديد بشراهة.

ويحتل روبرت ما كسويل موقعا خاصا في هـذا المجال، فهو يهودي من أصل تشيكي لكنه يحمل الجنسية البريطانية، هـاجر إلى الغرب في الخمسينيات وبداية الستينيات.. فأين الأموال العربية والإسلامية ؟

وإن الإعلام الصهيوني عامة، وخاصة السينما، استطاع تحويل الضحية إلى قاتل، والقاتل إلى ضحية..

وإن لينين كان يرى في السينما: المدخل الثقافي والفني إلى الجماهير.. ويرى أن عشرة سينمائيين مهرة، يرجحون بعملهم هـذا تأثير مليون كتاب.

فإذا أدركنا أن مهمة وسائل الإعلام، لا تقتصر على التعبير عن الشعب، والتصوير لحال الأمة، وإنما لها مهمة تربوية بنائية، تحاول من خلالها تسليط الضوء المنفر على بعض الإصابات، وتحاول الارتقاء بالمجتمع إلى الآفاق المطلوبة، ضمن سياسات إعلامية وتربوية ناضجة؛ وأن الإعلام تعليم مستمر، وتربية مستمرة، وثقافة مستمرة، وأن وسائل الإعلام هـي أدوات التنمية الحقيقية للأمم، عرفنا خطورة القضية الإعلامية، وما يمكن أن تحدثه فنيا، وعرفنا أيضا لماذا كانت ثمرة لكل التخصصات، ومصبا لكل الموارد الفكرية.. إنها تصنع الأمة، وتصنع بها.. ولأدركنا لماذا يجب أن تكون القيادات الإعلامية هـي من أرقى القيادات في الأمة، وأدقها تخصصا، وأحوجها إلى الإحاطة والتكامل. ذلك أن من أبرز مهام الإعلام، ومسئولياته: توجيه الحاكم، وترشيد المواطن، وأن الخطورة، كل الخطورة، أن ينقلب إلى تكريس أخطاء الحكام، وبذلك يمهد للقضاء عليه، ويساهم بإلغاء المواطن؟

والمؤسف حقا أن يتحول الإعلام -وخاصة في بعض بلاد العالم الثالث، ومعظمها بلاد العالم الإسلامي- إلى معول هـدم وتخريب، بدل أن يسهم في التوعية والبناء خاصة عندما يفتقر فيها النظام السياسي إلى المشروعية والشرعية ، فيلجأ إلى الإعلام الكاذب، ويستنجد به ليمارس عمليات التغطية والتضليل بإنجازات وهمية، وقدرات مزعومة، وخوارق غير طبيعية لزعامات، فيزداد الوهم، وتغيب الحقيقة، ويصرف المال ويبدد، ويشيع النفاق، ويكثر المنافقون، ويفتقد الإعلام كل مصداقية، ويعيش الناس على الموارد الإعلامية القادمة من الخارج.

وقضية أخيرة لا بد من التوقف أمامها بالقدر الذي تتيحه هـذه العجالة، ونعتقد أنها القضية الأخطر، والتي لا تزال مطروحة للجدل، والنقاش، والحوار، والقبول، والرد، ويتفاوت الحكم عليها من إنسان إلى آخر بحسب كسبه الثقافي، وقدرته على فك التحكم والارتهان، والخروج من السياق الحضاري الغربي، وتجاوز الصورة إلى الحقيقة، والوسيلة إلى الهدف، والعلم إلى الحكمة.. بل لعل الإعلام المعادي الذي كان يمكن للعمالة الثقافية والفكرية في نطاق الأمة الإسلامية، ولا يزال، هـو من أهم الحواجز التي حالت وتحول دون بلوغ القضية مداها المطلوب.. وهي قضية إسلامية المعارف والعلوم الإنسانية -وهي الأخص- إن لم نقل إسلامية العلوم بشكل عام، ولئن جاز أن يطول التفكير والتأمل عند بعضنا حتى تستوعب هـذه القضية -إسلامية العلوم والمعارف، وامتلاك القدرة على الربط بين الوسيلة والغاية، والعلم والحكمة، والخلق والمعرفة، والمنطلق وسلامة المسار، والقيم الضابطة والبرامج والأوعية المنفذة- فلا يجوز عقلا ولا واقعا حتى مجرد التوقف لطرح السؤال الساذج: هـل يوجد إعلام إسلامي وإعلام غير إسلامي ؟.

ذلك أنه لا يوجد في الدنيا كلها إعلام بلا هـدف، ولا قيم، ولا منطلقات.. وبكلمة مختصرة: لا يوجد إعلام بدون رسالة يحملها إلى العالم.. بل الإعلام هـو الرسالة، في الحقيقة، التي تؤمن بها الأمة، وتجتهد في إبلاغها.

فالإعلام هـو السفير، وهو المعبر عن الرسالة الإسلامية، وهو الذي يحمل القيم والأخلاق الإسلامية، يحمل النظرية والنموذج والمثل الأعلى إلى العالم، يدلل على صدقها، ويثير الاقتداء بها بمختلف الوسائل، ويحاول أن يفيد من كل التقنيات الإعلامية الحديثة ، ويضبط مضامينها بالقيم الإسلامية، ويحسن توظيفها لخير البشرية، وإلحاق الرحمة بالعالمين استجابة لقوله تعالى محددا الغاية من النبوة: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( الأنبياء: 107) .

فالإعلام الإسلامي ، قضية أشمل من صفحات دينية معزولة ومحكومة في جرائد ودوريات ، أو أحاديث وخطب رتيبة في إذاعة وتليفزيون ، أو روايات وأفلام تاريخية تظهر بلباس معين وتجهم ملفت للنظر، وتحبس معانيها بتقعر لغوي يحول دون العذوبة العربية في الجرس والبساطة والأداء حيث تنقلب إلى حاجز نفسي بدل أن تكون أداة تسهيل وتوصيل.

إنه القيم والمنطلقات التي تكمن وراء تخطيط، وتطهير، وتنقية كل ما يذاع ويشاع بمختلف أشكاله وأوعية فقراته الإعلامية، ليكون ذا منبت حسن ومصب حسن، إنه إعلام الكلمة الطيبة والوعاء النظيف، الذي يسهم بإعادة بناء الإنسان، واسترداد إنسانيته، وتخليصه من العبودية لغير الله، ابتداء من فقرات الترفيه والترويح، وانتهاء بإعلام الأزمات والشدائد والملمات..

وبعد..

فلا ندعي أننا بهذه المقالات استطعنا أن نحل المشكلة، ونقفز فوق حفر التخلف والتخاذل الفكري ، ونقدم معالم واضحة للإعلام الإسلامي، أو أن نؤصل لمنهج متكامل في الإعلام الإسلامي ، فذلك أمر يستدعي العودة إلى الخطاب الإسلامي في الكتاب والسنة، وامتلاك القدرة على استيعابه بعين مبصرة، وفقه إعلامي سليم، وامتلاك القدرة على استكناه الموارد التراثية، ففيها من الكنوز ما يمكن أن يعتبر نظرة متكاملة في الإعلام، نظرية وتطبيقا، كما أشرنا إلى ذلك عند الشاطبي وابن تيمية ، رحمهما الله.. كما يستدعي الكثير من الجهود والمعاناة والتجارب، والمراجعة، والتقويم.. وما نقدمه في هـذه المقالات هـو ملاحظات، يمكن تلخيصها بأنها تحس بالمشكلة، وتحاول أن تحدد بعض أبعاده على المستوى النظري، كما أنها في بعض الجوانب تمتد إلى شيء من تناول النواحي التطبيقية. لذلك يمكن وصفها بأنها ملحوظات في مجال النظرية والتطبيق معا.

وحسبها أنها محاولة من المحاولات المتعددة التي يمور فيها العالم الإسلامي على المستويات الأكاديمية، والمؤسسات الدعوية والفكرية، التي تتعثر حينا، وتتقدم أحيانا، لاسترداد دوره في الشهود الحضاري، واستئناف وظيفته في أن يقدم للعالم عطاء النبوة الخالد، بإخلاص وصواب والله الهادي إلى سواء السبيل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث