الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة فيمن يحض الناس من أهل الإيمان على أن يصوموا ويصلوا

وقد اتفق المسلمون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصلاة على الميت والدعاء له والشفاعة فيه، واتفقت الأمة على أن الصدقة تنفع [ ص: 249 ] الميت كما ثبت في الصحيحين: أن سعدا قال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت لتصدقت، فهل ينفعها إن أتصدق عنها؟ قال: "نعم". فما كان جواب هذا المحتج عن الدعاء والصدقة عن الميت كان جوابا لغيره عن الصيام عنه ونحو ذلك من العبادات.

وقد ذكر الناس عن الآية أجوبة متعددة، على أنها منسوخة، وقيل: مخصوصة، وقيل: مختصة بشرع من قبلنا، وقيل: سببه الإيمان الذي هو شرط وصول الثواب من سعيه.

والآية لا تحتاج إلى شيء من هذا، فإن الله أخبر عما في الصحف أنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، ولم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وأن الإنسان فيما ينتفع به في الدنيا قد ينتفع بما يملكه وبما لا يملكه، فلا يلزم من نفي الملك نفي الانتفاع، لكن هو يستحق الثواب على سعيه لأنه حقه، فلا يخاف منه ظلما ولا هضما، وأما سعي غيره فهو لذلك الغير، فإن سعى له ذلك الغير أثاب الله ذلك الساعي على سعيه، ونفع هذا من سعي ذلك بما شاء، كما يثيب الداعي على دعائه لغيره وينتفع المدعو له. كما ثبت في الصحيح أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب [ ص: 250 ] بدعوة إلا وكل الله به ملكا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل".

ومن ذلك: الصلاة على الميت، فقد ثبت عنه أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط"، وثبت عنه: أن الله يقبل شفاعة مائة، وروي أربعين، وروي ثلاثة صفوف. فهو يثيب الداعي وينفع المدعو له، وكذلك المتصدق عن الميت بما يصل إليه من ثواب الصدقة.

ومن هذا الباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب الوسيلة، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا"، وقال: "ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة".

فهذا هو الأصل الذي ينبني عليه فعل القرب عن الأموات مطلقا، وبعض الناس يعارض هذا بما ليس بدليل شرعي، بمثل أن [ ص: 251 ] يقول عن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من النبيين أو الصديقين: هذا أجل من أن يهدى له ثواب أو أن يفعل عنه قربة، ويرى أن هذا من باب الخفض من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من باب حاجته إلى هذا الفاعل.

وهذا الكلام ليس بشيء، فإن الله أمرنا أن نصلي عليه ونسلم تسليما، والصلاة عليه من أفضل العبادات مع الدعاء في الصلاة وغيرها، حتى قال عمر بن الخطاب: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم"، رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وثبت عنه في صحيح مسلم وغيره أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا بمثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة". وفي السنن : "ثم سل تعطه".

فهذه أربع سنن أمر بها عند استماع الأذان: أن يقول كما يقول المؤذن، وقد جاء مفسرا بالأمر بذلك في الحيعلة والحوقلة، لأنه دعاء للآدميين لا ذكر، فيقال ما يستعان به على فعل ما دعي العبد إليه. ثم أن يصلي عليه، ثم أن يسأل له الوسيلة، ثم قال: "سل تعطه"، فإن هذا ليس بمظان إجابة الدعاء. [ ص: 252 ]

وفي سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم".

وعن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملك جاءني فقال: يا محمد! إن الله يقول لك: أما ترضى ألا يصلي عليك عبد من عبادي إلا صليت عليه عشرا؟ ولا يسلم عليك تسليمة إلا سلمت عليه عشرا؟ قلت: بلى أي رب". رواه النسائي وأبو حاتم وغيره.

وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، فأكثروا فيه من الصلاة علي، فإن صلاتكم معروضة"، قالوا: وكيف تعرض عليك وقد أرمت؟ فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". رواه أبو داود والنسائي وأبو حاتم في صحيحه. [ ص: 253 ]

وفي سنن أبي داود عنه قال: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام".

وفي النسائي وأبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام".

والأحاديث في ذلك كثيرة، وهذا مما أجمع عليه المسلمون، والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم هي من هذا الباب من باب الدعاء، والدعاء مشروع من الأدنى للأعلى، ومن الأعلى للأدنى، والداعي إذا دعا لغيره أثاب الله الداعي على دعائه، ونفع المدعو له بالدعاء، فلم يكن لأحد عليه منة بصلاته عليه وسلامه، إذ كان الله يصلي على المصلي عليه عشرا، ويسلم على المسلم عليه عشرا، فيعطيه بالحسنة عشر أمثالها، فلله المنة على من استعمله في الصلاة عليه والسلام، ولله المنة على رسوله وعلى جميع عباده إذ نصب أسبابا يرحمهم بها، والخلق كلهم فقراء إلى الله تعالى، والله يرحم عباده بما شاء من الأسباب، فمن جعل أحدا من الأنبياء أو غيرهم مستغنيا عن مزيد الرحمة والرضوان وعلو الدرجات فهو جاهل بالله، ومن ظن أن دعاء الداعي للأنبياء وصلاته عليهم، بل صلاته على المؤمنين منه منة عليهم فهو جاهل بذلك، فإن الله يثيبه [ ص: 254 ] على عمله ولا يظلمه، والمنة لله على هذا وعلى هذا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث