الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب حد الشرب

جزء التالي صفحة
السابق

( ولا يحد السكران بإقراره على نفسه ) لزيادة احتمال الكذب في إقراره [ ص: 315 ] فيحتال لدرئه لأنه خالص حق الله تعالى . بخلاف حد القذف لأن فيه حق العبد والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه كما في سائر تصرفاته ، ولو ارتد السكران لا تبين منه امرأته لأن الكفر من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر ، والله أعلم .

التالي السابق


( قوله ولا يحد السكران بإقراره على نفسه ) أي بالحدود الخالصة حقا لله تعالى كحد الزنا والشرب والسرقة ، إلا أنه يضمن المسروق ، وقيد بالإقرار لأنه لو شهد عليه بالزنا في حال سكره وبالسرقة يحد بعد الصحو ويقطع ، وإنما لا يعتبر إقراره في حقوق الله تعالى لأنه يصح رجوعه عنه .

ومن المعلوم أن السكران لا يثبت على شيء ، وذلك الإقرار من الأشياء والأقوال التي يقولها . فهو محكوم بأنه لا يثبت عليه ويلزمه الحكم بعد ساعة بأنه رجع عنه . هذا مع زيادة شبهة أنه يكذب على [ ص: 315 ] نفسه مجونا وتهتكا كما هو مقتضى السكر المتصف هو به فيندرئ عنه ، بخلاف ما لا يقبل الرجوع فإنه مؤاخذ به لأن غاية الأمر أن يجعل راجعا عنه لكن رجوعه عنه لا يقبل . هذا والذي ينبغي أن يعتبر في السكر الذي لا يصح معه الإقرار بالحدود على قول أبي حنيفة قولهما فيتفقون فيه كما اتفقوا عليه في التحريم لأنه أدرأ للحدود منه لو اعتبر قوله فيه في إيجاب الحد ، وهذا بخلاف حد القذف لأن فيه حق العبد ( والسكران كالصاحي ) فيما فيه حقوق العباد ( عقوبة عليه ) لأنه أدخل الآفة على نفسه ، فإذا أقر بالقذف سكران حبس حتى يصحو فيحد للقذف ثم يحبس حتى يخف عنه الضرب فيحد للسكر ، وينبغي أن يكون معناه أنه أقر بالقذف سكران وشهد عليه بالسكر من الأنبذة المحرمة أو مطلقا على الخلاف في الحد بالسكر من الأشربة المباحة ، وإلا فبمجرد سكره لا يحد بإقراره : بالسكر ، وكذا يؤاخذ بالإقرار بسبب القصاص وسائر الحقوق من المال والطلاق والعتاق وغيرها لأنها لا تقبل الرجوع .

( قوله ولو ارتد السكران لا تبين منه امرأته لأن الكفر من باب الاعتقاد ) أو الاستخفاف ، وباعتبار الاستخفاف حكم بكفر الهازل مع عدم اعتقاده لما يقول ، ولا اعتقاد للسكران ولا استخفاف لأنهما فرع قيام الإدراك ، وهذا يقتضي أن السكران الذي لا تبين امرأته هو الذي لا يعقل منطقا كقول أبي حنيفة في حده . والظاهر أنه كقولهما ، ولذا لم ينقل خلاف في أنه لا يحكم بكفر السكران بتكلمه مع أنهما لم يفسرا السكران بغير ما تقدم عنهما ، فوجهه أن أبا حنيفة إنما اعتبر عدم الإدراك في السكران احتياطا لدرء الحد ، ولا شك أنه يجب أن يحتاط في عدم تكفير المسلم حتى قالوا : إذا كان في المسألة وجوه كثيرة توجب التكفير ووجه واحد يمنعه على المفتي أن يميل إليه ويبني عليه ، فلو اعتبر في اعتبار عدم ردته بالتكلم بما هو كفر أقصى السكر كان احتياطا لتكفيره لأنه يكفر في جميع ما قبل تلك الحالة هذا في حق الحكم .

أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان في الواقع قصد أن يتكلم به ذاكرا لمعناه كفر وإلا فلا . فإن قيل : هذا الاعتبار مخالف للشرع فإن الشارع اعتبر دركه قائما حتى خاطبه في حال سكره وذلك لأن قوله تعالى { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } يتضمن خطاب السكارى ، لأنه في حال سكره مخاطب بأن لا يقربها كذلك وإلا لجاز له قربانها ، وإن لم يعلم ما يقول لعدم الخطاب عليه فلا يفيد هذا الخطاب فائدة أصلا فهو خطاب للصاحي أن لا يقربها إذا سكر . فالامتثال مطلوب منه حال السكر سواء كان يعقل درك شيء ما أو لا كالنائم وهو معنى كونه مخاطبا حال السكر ، ولا شك أن تحقق الخطاب عليه ولا [ ص: 316 ] درك ليس إلا عقوبة ، إذ تلزمه الأحكام ولا علم له بما يصدر منه ، فاعتبار دركه زائلا في حق الردة حتى لا يكفر حينئذ لعدم الاعتقاد ، والاستخفاف اعتبار مخالف لاعتبار الشرع في حقه .

قلنا : ثبت من الشرع ما يقتضي أنه بعدما عاقبه بلزوم الأحكام مع عدم فهم الخطاب خفف عنه في أصل الدين رحمة عليه في ذلك خاصة ، وذلك حديث عبد الرحمن بن عوف المتقدم فإنه لم يحكم بكفر القارئ مع إسقاط لفظة " لا " من { قل يا أيها الكافرون } ولا شك أن ذلك السكر الذي كان بهم لم يكن بحيث لا درك أصلا ; ألا ترى أنهم أدركوا وجوب الصلاة وقاموا إلى الأداء ، فعلمنا أن الشارع رحمه في أصل الدين وعاقبه في فروعه ولهذا صححنا إسلامه ، ولولا هذا الحديث لقلنا بردته وإن لم يكن له درك ولم نصحح من الكافر السكران إسلامه ، ومما ذكرنا يعرف صحة التفصيل الذي ذكرناه وهو أن هذا السكران الذي وقع منه كلمة ردة ، ولم يصل إلى أقصى السكر إن كان عن غير قصد إليها كما قرأ علي { قل يا أيها الكافرون } فغير فليس بكافر عند الله ولا في الحكم ، وإن كان مدركا لها قاصدا مستحضرا معناها فإنه كافر عند الله تعالى بطريق تكفير الهازل .

وإن لم يحكم بكفره في القضاء لأن القاضي لا يدري من حاله إلا أنه سكران تكلم بما هو كفر فلا يحكم بكفره . والله سبحانه أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث