الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم ، [ ص: 461 ] ولأن فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك وكذا الكراع لما بينا ، وكذلك الحديد لأنه أصل السلاح ، وكذا بعد الموادعة ; لأنها على شرف النقض أو الانقضاء فكانوا حربا علينا ، وهذا هو القياس في الطعام والثوب ، إلا أنا عرفناه بالنص { فإنه عليه الصلاة والسلام أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وهم حرب عليه } .

التالي السابق


( قوله : ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ) إذا حضروا مستأمنين ( ولا يجهز إليهم ) مع التجار إلى دار الحرب { لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم } والمعروف ما في سنن البيهقي ومسند البزار ومعجم الطبراني من حديث [ ص: 461 ] بحر بن كنيز السقاء عن عبيد الله اللقيطي عن أبي رجاء عن عمران بن الحصين { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السلاح في الفتنة } . قال البيهقي : الصواب أنه موقوف .

وأخرجه ابن عدي في الكامل عن محمد بن مصعب القرقساني ، وقد اختلف فيه ، ضعفه ابن معين ، وقال ابن عدي : وهو عندي لا بأس به ، ونقل عن أحمد نحو ذلك . قال المصنف ( ولأن فيه ) أي في نقل السلاح وتجهيزه إليهم ( تقويتهم على قتال المسلمين وكذا الكراع ) أي الخيل ، ولا فرق في ذلك بين ما قبل الموادعة وبين ما بعدها ( لأنها على شرف الانقضاء أو النقض ) قال ( وهو القياس في الطعام ) أي القياس فيه أن يمنع من حمله إلى دار الحرب لأنه به يحصل التقوى على كل شيء والمقصود إضعافهم ( إلا أنا عرفناه ) أي نقل الطعام إليهم ( بالنص ) يعني حديث ثمامة ، وحديث إسلامه رواه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ، فذكر قصة إسلام ثمامة ، وفي آخره قوله لأهل مكة حين قالوا له أصبوت ؟ { فقال : إني والله ما صبوت ولكني أسلمت وصدقت محمدا وآمنت به ، وايم الذي نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة وكانت ريف مكة ما بقيت حتى يأذن فيها محمد صلى الله عليه وسلم ، وانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش ، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يحمل إليهم الطعام ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

وذكره ابن هشام في آخر السيرة ، { وذكر أنهم قالوا له صبأت ؟ فقال لا ، ولكني اتبعت خير الدين دين محمد ، والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى أن قال : فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا ، فكتب عليه الصلاة والسلام إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل } . وأما بيع الحديد فمنعه المصنف ( لأنه أصل السلاح ) وهو ظاهر الرواية ، فإن الحاكم نص على تسوية الحديد والسلاح .

وذهب فخر الإسلام في شرح الجامع الصغير إلى أنه لا يكره حيث قال : وهذا في السلاح ، وأما فيما لا يقاتل به إلا بصنعة فلا بأس به كما كرهنا بيع المزامير وأبطلنا بيع الخمر ولم نر ببيع العنب بأسا ولا ببيع الخشب وما أشبه ذلك .

وقال الفقيه أبو الليث في شرحه : وليس هذا كما قالوا في بيع العصير ممن يجعله خمرا ; لأن العصير ليس بآلة المعصية بل يصير آلة لها بعد ما يصير خمرا ، وأما هنا فالسلاح آلة الفتنة في الحال ، ويكره بيعه ممن يعرف بالفتنة ، قيل بإشارة هذا يعلم أن بيع الحديد منهم لا يكره .



[ فروع من المبسوط ] طلب ملك منهم الذمة على أن يترك أن يحكم في أهل مملكته ما شاء من قتل وظلم لا يصلح في الإسلام لا يجاب إلى ذلك ; لأن التقرير على الظلم مع قدرة المنع منه حرام ، ولأن الذمي من يلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات فشرط خلافه باطل ، ولو كان له أرض فيها قوم من أهل مملكته هم عبيده يبيع منهم [ ص: 462 ] ما شاء فصالح وصار ذمة فهم عبيد له كما كانوا يبيعونه إن شاء ; لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام في الأحرار ، ولو أسلم كانوا عبيده ، فكذا إذا صار ذميا ، وهذا لأنه كان مالكا لهم بيده القاهرة وقد ازدادت وكادة بعقد الذمة فإن ظفر عليهم عدو فاستنقذهم المسلمون فإنهم يردونهم على هذا الملك بغير شيء قبل القسمة وبالقيمة بعد القسمة كسائر أموال أهل الذمة ، وهذا لأن على المسلمين القيام بدفع الظلم عن أهل الذمة كما عليهم ذلك في حق المسلمين ; وكذا لو أسلم الملك وأهل أرضه أو أسلموا هم دونه هم عبيده ولو وادعوا على أن يؤدوا كل سنة شيئا معلوما وعلى أن لا يجري عليهم في بلادهم أحكام المسلمين

لا يفعل ذلك ، إلا أن يكون خيرا للمسلمين لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام المسلمين ولا يخرجون من أن يكونوا أهل حرب ، وترك القتال مع أهل الحرب لا يجوز إلا أن يكون خيرا للمسلمين ، ثم إن فعل ذلك إن كان بعد ما أحاط بهم الجيش أو قبله برسول تقدم حكم هذا المال ، ولو صالحوهم على أن يؤدوا إليهم في كل سنة مائة رأس من أنفسهم وأولادهم لم يصح ; لأن هذا الصلح وقع على جماعتهم فكانوا كلهم مستأمنين واسترقاق المستأمن لا يجوز ; ألا ترى أن واحدا منهم لو باع ابنه بعد هذا الصلح لم يجز فكذلك لا يجوز تمليك شيء من نفوسهم وأولادهم بحكم تلك الموادعة ; لأن حريتهم تأكدت ، بخلاف ما لو صالحوهم على مائة رأس بأعيانهم أول السنة وقالوا أمنونا على أن هؤلاء لكم ونصالحكم ثلاث سنين مستقبلة على أن نعطيكم كل سنة مائة رأس من رقيقنا فإنه جائز ; لأن المعينين في السنة الأولى لا تتناولهم الموادعة ومنها يثبت الأمان لهم ، فإذا جعلوهم مستثنى من الموادعة بجعلهم إياهم عوضا للمسلمين صاروا مماليك المسلمين بالموادعة ، والمشروط في السنين الكائنة بعد الموادعة أرقاء فجاز .



ولو سرق مسلم مالهم بعد الموادعة لا يحل شراؤه منه ; لأن مال المستأمن لا يملك بالسرقة لأنه غدر فلا يصح شراؤه منه .



ولو أغار قوم من أهل الحرب على أهل الصلح جاز أن يشتري منهم ما أخذوه من أموالهم ; لأنهم ملكوها بالإحراز كمال المسلمين ، ثم لا يلزم رد شيء من ذلك عليهم ولا بالثمن ; لأنهم بالموادعة ما خرجوا عن كونهم أهل حرب ; إذ لم ينقادوا إلى حكم الإسلام فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم ، ولو دخل بعضهم دار حرب أخرى فظهر المسلمون عليها لم يتعرضوا له لأنه في أمان المسلمين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث