الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( والردء والمقاتل في العسكر سواء ) لاستوائهم في السبب وهو المجاوزة أو شهود الوقعة على ما عرف ، وكذلك إذا لم يقاتل لمرض أو غيره لما ذكرنا ( وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها ) خلافا للشافعي بعد انقضاء القتال [ ص: 482 ] وهو بناء على ما مهدناه من الأصل ، وإنما ينقطع حق المشاركة عندنا بالإحراز أو بقسمة الإمام في دار الحرب أو ببيعه المغانم فيها ، لأن بكل واحد منها يتم الملك فينقطع حق شركة المدد . قال ( ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة إلا أن يقاتلوا ) وقال الشافعي في أحد قوليه : يسهم لهم لقوله عليه الصلاة والسلام { الغنيمة لمن شهد الوقعة } ولأنه وجد الجهاد معنى بتكثير السواد .

ولنا أنه لم توجد المجاوزة على قصد القتال فانعدم السبب الظاهر فيعتبر السبب الحقيقي وهو القتال فيفيد الاستحقاق على حسب حاله فارسا أو راجلا عند القتال ، وما رواه موقوف على عمر رضي الله عنه [ ص: 483 ] أن تأويله أن يشهدها على قصد القتال .

التالي السابق


( قوله والردء ) أي العون ( والمقاتل ) أي المباشر للقتال مع الكفار وكذا أمير العسكر ( سواء ) في الغنيمة لا يتميز واحد منهم على آخر بشيء ، وهذا بلا خلاف لاستواء الكل في سبب الاستحقاق ، وسنبين سببه فيما يأتي إن شاء الله تعالى ( قوله وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم ) أي المدد ( فيها ) وعن الشافعي فيه قولان ، وما ذكرناه بناء على ما مهدناه من أن الملك لا يتم للغانمين قبل إحراز الغنيمة بدار الإسلام فجاز أن يشاركهم المدد إذا قام به الدليل ، ولا ينقطع حق المدد إلا بثلاثة أمور : الإحراز بدار الإسلام ، والقسمة بدار الحرب ، وبيع الإمام الغنيمة قبل لحاق المدد . هذا وعلى ما حققناه المبني تأكد وعدمه ، وما استدل به الشافعي من صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { بعث عليه الصلاة والسلام أبانا على سرية قبل نجد ، [ ص: 482 ] فقدم أبان وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما فتحها ، إلى أن قال : فلم يقسم لهم } لا دليل فيه ، لأن وصول المدد في دار الإسلام لا يوجب شركة ، وخيبر صارت دار إسلام بمجرد فتحها فكان قدومهم والغنيمة في دار الإسلام .

وأما إسهامه لأبي موسى الأشعري على ما في الصحيحين عنه قال : { بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم في بضع وخمسين رجلا من قومي . فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي ، فوفينا جعفر بن أبي طالب ، وأصحابه عنده ، فقال جعفر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا حتى قدمنا فوافينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا . ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر إلا أصحاب سفينتنا }

فقال ابن حبان في صحيحه : إنما أعطاهم من خمس الخمس ليستميل قلوبهم لا من الغنيمة وهو حسن . ألا ترى أنه لم يعط غيرهم ممن لم يشهدها . وحمل بعض الشافعية على أنهم شهدوا قبل حوز الغنائم خلاف مذهبهم فإنه لا فرق عندهم في عدم الاستحقاق بين كون الوصول قبل الحوز أو بعده بعد كونه بعد الفتح ( قوله : ولا حق لأهل سوق العسكر ) أي ( في الغنيمة ) لا سهم ولا رضخ ( إلا أن يقاتلوا ) فحينئذ يستحقون السهم ، وبه قال مالك وأحمد . وللشافعي فيه قولان : أحدهما كقولنا . والآخر يسهم لهم ، واستدل الشافعي بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال { الغنيمة لمن شهد الوقعة } والصحيح أنه موقوف على عمر كما ذكر المصنف ، ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا وكيع ، حدثنا شعبة ، عن قيس بن مسلم عن طاوس عن ابن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند ، فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر رضي الله عنه فظهروا ، فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة . فقال رجل من بني تميم : أيها العبد الأجدع تريد أن تشاركنا في غنائمنا ؟ وكانت أذنه جدعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : خير أذني سببت ، ثم كتب إلى عمر رضي الله عنه ، فكتب عمر إن الغنيمة لمن شهد الوقعة . ورواه الطبراني والبيهقي وقال : وهو صحيح من قول عمر . وأخرج ابن عدي عن علي رضي الله عنه : [ ص: 483 ] الغنيمة لمن شهد الوقعة .

وهذا قول صحابي وهو لا يرى جواز تقليد المجتهد إياه ، وكذا عند الكرخي من مشايخنا ، وعلى قول الآخرين ( تأويله أن يشهد على قصد القتال ) والوقعة هي القتال ، وهو معنى قول صاحب المجمل الوقعة صدمة الحرب ، وشهوده على قصد القتال إنما يعرف بأحد أمرين : بإظهار خروجه للجهاد والتجهيز له لا لغيره ، ثم المحافظة على ذلك القصد الظاهر ، وهذا هو السبب الظاهر الذي ينبني عليه الحكم ، وإما بحقيقة قتاله بأن كان خروجه ظاهرا لغيره كالسوقي وسائس الدواب فإن خروجه ظاهرا لغيره فلا يستحق بمجرد شهوده إذ لا دليل على قصد القتال ، فإذا قاتل ظهر أنه قصده غير أنه ضم إليه شيئا آخر كالتجارة في الحج لا ينتقص به ثواب حجه .

وعلى كون السبب ما قلنا فرع ما لو أسر في دار الحرب فأصابوا بعده غنيمة ثم انفلت فلحق بالجيش قبل أن يخرجوا شاركهم فيها وفي كل ما يصيبونه وإن لم يلقوا قتالا بعده ، ولو لحق بعسكر غير الذي خرج معهم وقد أصابوا غنائم لا يشاركهم فيها إلا أن يلقوا قتالا فيقاتل معهم ، لأنه ما انعقد له سبب الاستحقاق معهم ، وإنما كان قصده من اللحوق بهم الفرار ونجاة نفسه فلا يستحق إلا أن يقاتلوا فيقاتل معهم ; لأنه حينئذ تبين أنه قصد باللحاق بهم القتال ، وكذا من أسلم في دار الحرب ولحق بالعسكر .

والمرتد إذا تاب ولحق بالعسكر ، والتاجر الذي دخل بأمان إذا لحق بالعسكر إن قاتلوا استحقوا وإلا فلا شيء لهم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث