الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 278 ] ( باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها ) ( وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة ) [ ص: 279 ] وفي الجامع الصغير : ( وإذا شهد عليه الشهود بسرقة أو بشرب خمر أو بزنا بعد حين لم يؤخذ به وضمن السرقة ) [ ص: 280 ] والأصل فيه أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم خلافا للشافعي رحمه الله ، هو يعتبرها بحقوق العباد وبالإقرار الذي هو إحدى الحجتين . ولنا أن الشاهد مخير بين حسبتين أداء الشهادة والستر ، فالتأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حركته فيتهم فيها وإن كان التأخير لا للستر يصير فاسقا آثما فتيقنا بالمانع ، بخلاف الإقرار لأن الإنسان لا يعادي نفسه ، فحد الزنا وشرب الخمر والسرقة خالص حق الله تعالى حتى يصح الرجوع عنها بعد الإقرار فيكون التقادم فيه مانعا ، وحد القذف فيه حق العبد لما فيه من دفع العار عنه ، ولهذا لا يصح رجوعه بعد الإقرار ، والتقادم غير مانع في حقوق العباد ، ولأن الدعوى فيه شرط فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى فلا يوجب تفسيقهم ، بخلاف حد السرقة لأن الدعوى ليست بشرط [ ص: 281 ] للحد لأنه خالص حق الله تعالى على ما مر ، وإنما شرطت للمال ، ولأن الحكم يدار على كون الحد حقا لله تعالى فلا يعتبر وجود التهمة في كل فرد ، ولأن السرقة تقام على الاستسرار على غرة من المالك فيجب على الشاهد إعلامه فبالكتمان يصير فاسقا آثما ، ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء عندنا خلافا لزفر حتى لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعد ما تقادم الزمان لا يقام عليه الحد لأن الإمضاء من القضاء في باب [ ص: 282 ] الحدود .

[ ص: 278 ]

التالي السابق


[ ص: 278 ] باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها )

قدم أن الحد يثبت بالبينة والإقرار ، وقدم كيفية الثبوت بالإقرار لأن وجود ما ثبت منه بالبينة بالنسبة إلى ما ثبت بالإقرار أندر نادر لضيق شروطه المقتضي لإعدامه ، وهو أن يرى ذكر الرجل في فرجها كالميل في المكحلة . وأيضا لم يثبت قط الزنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بالبينة ، فإنهم كلهم لم يحدوا إلا بالإقرار ، فقدم ما يكثر وجوده ، وما كان الثبوت به عنده عليه الصلاة والسلام وعند الصحابة رضي الله عنهم ( قوله وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة ) فقوله متقادم إسناده في الحقيقة إلى ضمير السبب : أي متقادم سببه وهو الزنا مثلا وهو المشهود به . وقوله شهدوا بحد تساهل فإنهم إنما يشهدون بسبب الحد ، والتقادم صفة له في الحقيقة . وقوله لم يمنعهم إلخ جملة في محل جر لأنها صفة للنكرة وهي حد ، والفاعل بعدهم ، ولا شك أنه لا يتعين البعد عذرا بل يجب أن يكون كل من نحو مرض أو خوف طريق ولو من بعد يومين ونحوه من الأعذار التي يظهر أنها مانعة من المسارعة . ثم ذكر عبارة الجامع الصغير لاشتمالها على زيادات مفيدة ، وهي قوله ( وإذا شهد عليه الشهود بسرقة أو بشرب خمر أو بزنا بعد حين لم يؤخذ به وضمن السرقة ) ثم قال : فإن أقر هو بعد حين بذلك أخذ به إلا الشرب فإنه لا يؤخذ بذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد : يؤخذ به كما يؤخذ بالسرقة والزنا ، ولا يخفى ما اشتمل عليه من الزيادات . قال المصنف وغيره . والأصل فيه أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم [ ص: 279 ] خلافا للشافعي . وفي العبارة تساهل مشهور ، فإن الذي يبطل بالتقادم الشهادة بأسبابها ثم لا يجب الحد على الإمام من الأصل لعدم الموجب . والحاصل أن في الشهادة بالحدود القديمة والإقرار بها أربعة مذاهب :

الأول رد الشهادة بها وقبول الإقرار بما سوى الشرب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف . الثاني ردها وقبول الإقرار حتى بالشرب القديم كالزنا والسرقة وهو قول محمد بن الحسن . الثالث قبولهما وهو قول الشافعي ومالك وأحمد . الرابع ردهما ، نقل عن ابن أبي ليلى ولم يقل أحد بقلب قول محمد ، واستدل للشافعي والآخرين بإلحاقه بالإقرار لأنهما حجتان شرعيتان يثبت بكل منهما الحد ، فكما لا يبطل الإقرار بالتقادم كذا الشهادة وبحقوق العباد . ولنا وهو الفرق أن الشهادة بعد التقادم شهادة متهم وشهادة المتهم مردودة .

أما الكبرى فلقوله عليه الصلاة والسلام { لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين } أي متهم . وذكر محمد عن عمر رضي الله عنه في الأصل أنه قال " أيما شهود شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم " . وأما الصغرى فلأن الشاهد بسبب الحد مأمور بأحد أمرين : الستر احتسابا لقوله عليه الصلاة والسلام { من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة } مع ما قدمنا من الحديث في ذلك ، أو الشهادة به احتسابا لمقصد إخلاء العالم عن الفساد للانزجار بالحد ، فأحد الأمرين واجب مخير على الفور كخصال الكفارة ; لأن كلا من الستر وإخلاء العالم عن الفساد لا يتصور فيه طلبه على التراخي ، فإذا شهد بعد التقادم لزمه الحكم عليه بأحد الأمرين : إما الفسق ، وإما تهمة العداوة لأنه إن حمل على أنه من الأصل اختار الأداء وعدم الستر ثم أخره لزم الأول ، أو على أنه اختار الستر ثم شهد لزم الثاني ، وذلك أنه سقط عنه الواجب باختيار أحدهما ، فانصرافه بعد ذلك إلى الشهادة موضع ظن أنه حركه حدوث عداوة ، بخلاف الإقرار بالزنا والسرقة لا يتحقق فيه أحد الأمرين من الفسق وهو ظاهر ولا التهمة ، إذ الإنسان لا يعادي نفسه فلا يبطل بالتقادم إذ لم يوجب تحقق تهمة ، وبخلاف حقوق العباد لأن الدعوى شرط فيها فتأخير الشاهد لتأخير الدعوى لا يلزم منه فسق ولا تهمة ، وفي القذف حق العبد فتوقف على الدعوى كغيره فلم يبطل بالتقادم .

فإن قيل : لو كان اشتراط الدعوى مانعا من الرد بالتقادم لزم في السرقة أن لا ترد الشهادة بها عند التقادم لاشتراط الدعوى فيها لكنها ترد . أجاب أولا بما حاصله أن السرقة فيها أمران الحد والمال ، فما يرجع إلى الحد لا تشترط فيه الدعوى لأنه خالص حق الله تعالى وباعتبار المال تشترط ، والشهادة بالسرقة لا تخلص لأحدهما بل لا تنفك عن الأمرين ، فاشترطت الدعوى للزوم المال لا للزوم الحد ، ولذا يثبت المال بها بعد التقادم لأنه لا يبطل به ولا نقطعه لأن الحد يبطل به ، ويدل على تحقق الأمرين فيها أنه إذا شهدوا بها على إنسان والمدعي غائب وهو صاحب المال يحبس المشهود عليه حتى يحضر المدعي لما فيه من حق الله تعالى ، وفي القذف لا يحبس المشهود عليه به حتى يحضر كما في حقوق العباد الخالصة ، وإنما لا يقطع قبل حضوره لاحتمال أن يكون سرق ملكه الذي كان عنده أو ملكه إياه ، فلا بد من تضمن الشهادة بالسرقة الشهادة بملك المسروق منه والشهادة بالملك لإنسان يتوقف قبولها على حضور المشهود له بالملك ودعواه ، فإذا أخر رددناه في حق الحد لا المال بل ألزمناه المال ، بخلاف ما إذا قال : زنيت بفلانة أو قلبه وهي غائبة لا يدري جوابها يحد ، ولا يستأنى بالحد لأن الثابت هناك شبهة الشبهة ولا تعتبر ، وفي السرقة لا تثبت [ ص: 280 ] أصلا إلا بثبوت المال ، ولا يثبت المال بالشهادة إلا بالدعوى ، وإنما يحبس للتهمة كما تقدم ، ولأن الثابت في غيبة المسروق منه الشبهة لأن الثابت احتمال أن يقول هو ملكه ، وقوله هو ملكه ليس شبهة بل حقيقة المبرئ ، بخلاف دعواها النكاح مثلا لو حضرت لأنه نفس الشبهة فاحتماله شبهة الشبهة والله أعلم .

وأجاب ثانيا بأن بطلان الشهادة بالتقادم لما كان للتهمة في حقوق الله سبحانه ، فأقيم التقادم في حقوق الله مقامها فلا ينظر بعد ذلك إلى وجود التهمة وعدمها ، كالرخصة لما كانت للمشقة وهي غير منضبطة أدير على السفر فلم يلاحظ بعد ذلك وجودها ولا عدمها فترد بالتقادم . ولا يخفى أن رد الشهادة بالتقادم ليس إلا للتهمة ، ومحل التهمة ظاهر يدركه كل أحد فلا يحتاج إلى إناطته بمجرد كونه حقا لله تعالى ، ولا يصح تشبيهه بالمشقة مع السفر لأن المشقة أمر خفي غير منضبط فلا تمكن الإناطة به فنيط بما هو منضبط ، فالعدول للحاجة للانضباط ولا حاجة فيما نحن فيه . فإن قلت : فظاهر انتفاء التهمة مع رد الشهادة في حق الحد فيما لو علم المدعي بالسرقة فلم يدع إلا بعد حين فشهدوا فإنه لا تهمة بتأخيرهم ، ومع هذا لا يقطع بل يضمن المال .

فالجواب أن ما كان فيه تهمة فالرد يضاف إليها ، وما لم يكن فإلى المدعي على ما قال قاضي خان إنما لا تقبل في السرقة بعد التقادم لا لتهمة في الشهود لأن الدعوى شرط القبول بل لخلل في الدعوى ، فإن صاحب المال كان مخبرا في الابتداء ، فإذا أخر فقد اختار الستر فلم يبق له حق دعوى السرقة والحد بل بقي له حق دعوى المال فقط فيقضى بالمال دون القطع ; كما لو شهد رجل وامرأتان على السرقة يقضى [ ص: 281 ] بالمال دون القطع ا هـ . فيجعل هذا الاعتبار فيما إذا كان تأخير الشهود الشهادة لتأخير الدعوى بعد علم صاحب المال بالسرقة ، أما لو أخروا لا لتأخير المسروق منه الدعوى بعد علمه وعلمهم بعلمه بإعلامهم أو بغيره ثم شهدوا فالوجه الأخير وهو قوله ( ولأن السرقة تقام على الاستسرار على غرة من المالك فيجب على الشاهد إعلامه ، وبالكتمان يصير فاسقا آثما ) يقتضي أن ترد في حق المال أيضا للفسق ، ولكن ما ذكر من أنهم إذا شهدوا بعد التقادم تثبت التهمة المانعة عن قبول الشهادة فلا تقبل في حق الحد ، لكن السارق يضمن السرقة لأن وجوب المال لا يبطل بالتقادم بإطلاقه يقتضي فيما إذا لم يكن التأخير لعدم تأخير الدعوى بعد علمه فهو مشكل على الوجه المذكور ( قوله ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء عندنا خلافا لزفر ، لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعد ما تقادم الزمان لا يقام عليه ) وقول زفر هو قول الأئمة الثلاثة ; لأن التأخير بعذر هربه وقد زال العذر ( ولنا أن الإمضاء ) أي الاستيفاء ( من القضاء ) بحقوق الله تعالى ، بخلاف حقوق غيره .

وهذا لأن الثابت في نفس الأمر استنابته تعالى الحاكم في استيفاء حقه إذا ثبت عنده بلا شبهة فكان الاستيفاء من تتمة القضاء ، أو هو هنا إذ لم يحتج إلى التلفظ بلفظ القضاء حتى جاز له الاستيفاء من غير تلفظ به ، بخلافه في حقوق غيره تعالى فإنه فيها لإعلام من له الحق بحقية حقه وتمكينه من استيفائه والله سبحانه مستغن عنهما فإنما هو في حقوقه تعالى استيفاؤها ، وإذا كان كذلك كان قيام الشهادة شرطا حال الاستيفاء ، كما هو شرط حال القضاء بحق غيره إجماعا ، وبالتقادم لم تبق الشهادة فلا يصح هذا القضاء الذي هو الاستيفاء فانتفى ، وهذا رد المختلف إلى المختلف ، فإن كون قيام الشهادة وقت القضاء شرطا صحيح لكن الكلام في معنى قيامها ، فعندهم ما لم يطرأ ما ينقضها من الرجوع هي قائمة حتى لو شهدوا ثم غابوا أو ماتوا جاز الحكم بشهادتهم ، وعندنا قيامها بقيامهم على الأهلية والحضور . ثم قد يقال لو سلم ترجح هذا لكن التقادم إنما يبطل في ابتداء الأداء للتهمة وقد وجدت الشهادة بلا تقادم ووقعت صحيحة موجبة فاتفاق تقادم السبب بلا توان منهما لا يبطل الواقع صحيحا ، ولو قلنا : إن ردها أنيط بالتقادم فلم يلتفت إلى التهمة بعد ذلك يجب كونه [ ص: 282 ] أنيط بتقادم عن توان من الشاهدين وإلا فممنوع ، ونذكر فيما يلي هذه القولة ما فيه زيادة إن شاء الله تعالى



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث