الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4971 ص: قيل لهم: قد روينا هذا الحديث عن الزهري في هذا الباب من حديث ابن عيينة على غير هذا اللفظ، مما معناه خلاف هذا المعنى، وهو: "كان رسول الله -عليه السلام- يقطع في ربع دينار فصاعدا".

                                                [ ص: 600 ] فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختلف عن غيره عن عمرة على ما وصفنا، ارتفع ذلك كله، فلم تجب الحجة بشيء منه إذ كان ينفي بعضه بعضا، ورجعنا إلى أن الله -عز وجل- قال في كتابه العزيز: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله فأجمعوا أن الله تعالى لم يعن بذلك كل سارق، وإنما عنى به خاصا من السراق لمقدار من المال معلوم، فلا يدخل فيما قد أجمعوا أن الله -عز وجل- عنى به خاصا إلا من قد أجمعوا أن الله -عز وجل- عناه، وقد أجمعوا أن الله -عز وجل- قد عنى سارق العشرة دراهم واختلفوا في سارق ما هو دونها، فقال قوم: هو ممن عنى الله -عز وجل-. وقال قوم: ليس هو منهم، فلم يجز لنا -لما اختلفوا في ذلك- أن نشهد على الله تعالى أنه عنى ما لم يجمعوا أنه عناه، وجاز لنا أن نشهد فيما أجمعوا أن الله -عز وجل- عناه، فجعلنا سارق العشرة دراهم فما فوقها داخلا في الآية فقطعناه، وجعلنا سارق ما دون العشرة خارجا من الآية فلم نقطعه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قيل لهؤلاء المعارضين من أهل المقالة الثالثة في جواب معارضتهم، وملخصه: أن حديث الزهري مضطرب سندا ومتنا.

                                                أما سندا فظاهر، وأما متنا فإنه قد روي عنه فيما مضى بمعنى يدل على خلاف ما روي عنه هاهنا، وهو أن فيما مضى إخبارا عن فعل رسول الله -عليه السلام- وهو: "كان رسول الله -عليه السلام- يقطع في ربع دينار فصاعدا" وهاهنا إخبار عن قوله وهو: قال رسول الله -عليه السلام-: "تقطع اليد في ربع دينار".

                                                فلما حصل هذا الاضطراب سندا ومتنا، واختلف أيضا عن غير الزهري ، عن عمرة، عن عائشة بالوقف والرفع على ما مر بيانه - ارتفع ذلك كله فلا تجب به الحجة بعد ذلك; لأن بعضه ينفي بعضا وهو معنى قوله: إذ كان ينفي بعضه بعضا.

                                                [ ص: 601 ] وكلمة "إذ" هاهنا للتعليل، ومنافاة بعضه بعضا ظاهرة; لأن الرفع يخالف الوقف، والإخبار عن الفعل يخالف الإخبار عن القول.

                                                فإن قلت: أعمل بالقول والفعل جميعا فإنه آكد في الفعل بواحد منهما، وإنما تتحقق المنافاة بين القول والفعل إذا كان الخلاف بينهما في نفس الحكم، وهاهنا ليس كذلك.

                                                قلت: هذا إنما يمشي إذا سلم الحديث من الاضطراب، فافهم.

                                                قوله: "ورجعنا إلى أن الله .... إلى آخره" تحقيق هذا الكلام أن العمل بعموم اللفظ في آية السرقة غير ممكن بالإجماع; لأن اسم السارق يطلق على سارق الصلاة، قال -عليه السلام-: "إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته .... الحديث" وأيضا فهو مجمل من حيث المقدار يحتاج إلى بيان من غيره في إتيانه، فلا يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب القطع في كل مقدار، وقد علمنا أن الله -عز وجل- لم يعن بذلك كل سارق، بل إنما عنى به سارقا خاصا لمقدار معلوم من المال، ثم اختلفوا في هذا المقدار الذي يتعلق به قطع يد السارق، فقال قوم: هو العشرة دراهم فما فوقها، وهم أهل المقالة الثانية.

                                                وقال قوم: هو ربع دينار، وهم أهل المقالة الثالثة، وقال قوم: هو ثلاثة دراهم، وهم أهل المقالة الأولى، وهذه الأقوال الثلاثة هي التي عمل الناس عليها، وكلهم مجمعون على أن الله عنى سارق العشرة دراهم من هذه الآية، ولكن اختلفوا في سارق ما دون العشرة، فمنهم من قال: هو ممن عنى الله -عز وجل- ومنهم من يقول: ليس هو منهم.

                                                فإذا كان الأمر كذلك لم يجز لنا أن نشهد على الله أنه عنى ما لم يجمعوا أنه عناه، ويجوز لنا أن نشهد فيما أجمعوا عليه أنه -عز وجل- عناه، فلما كان الأمر كذلك كان سارق العشرة دراهم فما فوقها داخلا في الآية لتيقننا بإجماعهم على أنه ممن [ ص: 602 ] عناهم الله فحكمنا عليه بوجوب القطع، وأما سارق ما دون العشرة فجعلناه خارجا من الآية لوجود الاختلاف فيه هل هو ممن عناهم الله أم لا؟ فلم يترتب عليه حكم القطع. والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية