الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4825 4826 4827 4828 4829 4830 4831 ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله -عليه السلام-.

                                                حدثنا سليمان بن شعيب ، قال: ثنا يحيى بن حسان ، قال: ثنا مالك بن أنس ، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله -عليه السلام-: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".

                                                [ ص: 68 ] حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا عثمان بن عمر ، عن مالك .... فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا يوسف بن عدي ، قال: ثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله بن عمر ، عن طلحة بن عبد الملك .... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني مالك ، عن طلحة .... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا أبو سلمة المنقري ، قال: ثنا أبان ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن أبان ، عن القاسم ، عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله -عليه السلام- كان يقول: " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه". .

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا أبو داود ، قال: ثنا حرب بن شداد ، قال: ثنا يحيى .... فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا ربيع الجيزي ، قال: ثنا يعقوب بن كعب الحلبي ، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن ابن حرملة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال: قال رسول الله -عليه السلام-: " إنما النذر ما ابتغي به وجه الله تعالى".

                                                قالوا: فلما كانت النذور إنما تجب إذا كانت مما يتقرب بها إلى الله تعالى، فلا تجب إذا كانت معاصي لله تعالى، وكان الكافر إذا قال: لله علي صيام. أو قال: لله علي اعتكاف. فهو لو فعل ذلك لم يكن به إلى الله متقربا، وهو في وقت ما أوجبه إنما قصد به إلى ربه الذي يعبده من دون الله -عز وجل- وذلك معصية، فدخل ذلك في قول رسول الله -عليه السلام-: "لا نذر في معصية الله".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديثي عائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -.

                                                أما حديث عائشة فأخرجه من ست طرق صحاح:

                                                الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني ، عن يحيى بن حسان التنيسي ، عن مالك بن أنس .... إلى آخره.

                                                [ ص: 69 ] وأخرجه البخاري: نا أبو نعيم، نا مالك ، عن طلحة بن عبد الملك ، عن القاسم ، عن عائشة، عن النبي -عليه السلام-: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".

                                                الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري ، عن مالك بن أنس .

                                                وأخرجه أبو داود: عن القعنبي ، عن مالك نحوه.

                                                الثالث: عن محمد بن خزيمة ، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري ، عن عبد الله بن إدريس الزعافري الكوفي ، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن طلحة بن عبد الملك ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة.

                                                وأخرجه النسائي: عن أبي كريب ، عن عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله .... إلى آخره نحوه.

                                                الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك .... إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه الترمذي: عن قتيبة ، عن مالك .... إلى آخره.

                                                الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري شيخ البخاري وأبي داود ، عن أبان بن يزيد العطار، [عن يحيى بن أبي كثير] عن محمد بن أبان الأنصاري المدني ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة.

                                                [ ص: 70 ] السادس: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن حرب بن شداد اليشكري البصري العطار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن أبان ، عن القاسم ، عن عائشة.

                                                وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه عن الربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي ، عن يعقوب بن كعب بن حامد الحلبي شيخ أبي داود ، عن حاتم بن إسماعيل المدني ، عن عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو المدني ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، وهؤلاء كلهم ثقات، وقد مر الكلام في عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده غير مرة.

                                                وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، أن النبي -عليه السلام- قال: "إنما النذر ما ابتغي به وجه الله".

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه": من طريق ابن وهب .... نحوه.

                                                قوله: "قالوا" أي هؤلاء الآخرون، وهذا إشارة إلى بيان وجه الاستدلال بالحديثين المذكورين.

                                                فإن قيل: روى أبو داود: من حديث عبيد الله بن الأخنس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده: "أن امرأة أتت فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: أوفي بنذرك".

                                                قلت: إنما قال لها ذلك لإظهار الفرح بظهوره ورجوعه سالما لا أنه يجب بالنذر.

                                                وقال البيهقي: يشبه أن يكون أذن لها؛ لأنه فعل مباح.

                                                [ ص: 71 ] وقال الخطابي: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي تتعلق بهذا النذر، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله -عليه السلام- حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين; صار فعله كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات، ولهذا أبيح ضرب الدف واستحب في النكاح; لما فيه من الإشاعة لذكره، والخروج به عن معنى السفاح الذي هو الاستتار عن الناس فيه، ومما يبين هذا المعنى قول النبي -عليه السلام- لحسان حين استنشده وقال له: "كأنما تنضح به وجوه القوم النبل".




                                                الخدمات العلمية