الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6869 6870 6871 6872 ص: وقد روي عن رسول الله -عليه السلام- أنه نهى أن يشرب من في السقاء.

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج ، قال: ثنا حماد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: " نهى رسول الله -عليه السلام- عن الشرب من في السقاء".

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله -عليه السلام- مثله.

                                                فلم يكن هذا النهي من رسول الله -عليه السلام- على تحريم ذلك على أمته حتى يكون من فعله منهم عاصيا له، ولكن المعنى قد اختلف فيه، ما هو؟

                                                فحدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج ، قال: ثنا حماد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه: " أن رسول الله -عليه السلام- نهى عن الشرب من في السقاء؛ لأنه ينتن"، . فهذا معناه.

                                                وقد روي في ذلك معنى آخر، وهو ما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد ، عن ليث ، عن مجاهد قال: " كان يكره الشرب من ثلمة القدح، وعروة الكوز، وقال: هما مقعدا الشيطان".

                                                فلم يكن هذا النهي من رسول الله -عليه السلام- على طريق التحريم بل على طريق الإشفاق منه على أمته والرأفة بهم والنظر لهم، وقد قال قوم: إنما نهى عن ذلك لأنه الموضع الذي يقصده الهوام، فنهى عن ذلك خوف أذاها، فكذلك ما ذكرنا عنه في صدر هذا الباب من نهيه عن الشرب قائما ليس على التحريم الذي يكون فاعله عاصيا، ولكن للمعنى الذي ذكرناه في ذلك، وقد روينا عن رسول الله -عليه السلام- فيما تقدم من هذا الباب: "أنه أتى بيت أم سليم ، فشرب من قربة وهو قائم من فيها". فدل ذلك على أن نهيه الذي روي عنه في ذلك ليس على النهي الذي يجب على منتهكه [ ص: 425 ] أن يكون عاصيا، ولكنه على النهي من أجل الخوف، فإذا ذهب الخوف ارتفع النهي، فهذا عندنا معنى هذا الآثار.

                                                التالي السابق


                                                ش: ذكر هذا كله تمهيدا لبيان إباحة الشرب قائما وأن النهي عن ذلك لم يكن على وجه التحريم كالنهي أن يشرب من فم السقاء، ولهذا لا يكون من فعل ذلك عاصيا، فإذا ثبت [هذا ثبت] أن النهي عن الشرب من فم السقاء لم يكن على التحريم.

                                                وأخرج في ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة .

                                                أما عن ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة ، عن حجاج بن المنهال ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

                                                وأخرجه البخاري: نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: "نهى النبي -عليه السلام- عن الشرب من في السقاء".

                                                وأخرجه أبو داود أيضا.

                                                وأما عن أبي هريرة فأخرجه أيضا بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة ، عن حجاج بن المنهال ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه البخاري: عن مسدد ، عن إسماعيل ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة: "نهى النبي -عليه السلام- أن يشرب من في السقاء".

                                                وبقي الكلام في وجه ذلك وحكمته، فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

                                                الأول: ما قاله عروة بن الزبير أن ذلك النهي لأن الشرب من فم السقاء ينتن [ ص: 426 ] الماء، أو فم السقاء، فيستقذره غيره، وكان يكون ماء العرب غالبا في الأسقية والأدلية.

                                                أخرج ذلك بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة ، عن حجاج بن المنهال ، عن حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما -.

                                                الثاني: ما قاله مجاهد، وهو أن ذلك الموضع مقعد الشيطان.

                                                أخرجه بإسناد صحيح عن محمد بن خزيمة ، عن حجاج بن منهال ، عن حماد بن سلمة ، عن ليث ، عن مجاهد .

                                                قوله: "من ثلمة القدح" بضم الثاء المثلثة وسكون اللام.

                                                الثالث: ما قاله قوم من العلماء، وإنه إنما نهي عنه لأنه الموضع الذي يقصده الهوام، فربما يكون فيه شيء من ذلك، يؤذيه حين الشرب.

                                                والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا يزيد بن هارون ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي سعيد، قال: "فشرب رجل من فم سقاء، فانساب في بطنه [حار] فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث الأسقية".




                                                الخدمات العلمية