الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6289 ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن حديث جابر هذا قد اختلف في لفظه؛ فرواه كل واحد من حديث إبراهيم الصائغ كما ذكرنا عنه، ورواه ابن جريج على خلاف ذلك، فذكر عن ابن أبي عمار: "أنه سأل جابرا عن الضبع، فقال: أصيد هي؟ قال: نعم، قال: وسمعت ذلك من النبي -عليه السلام-؟ فقال: نعم".

                                                فأخبر عن النبي -عليه السلام- أنها صيد، وليس كل الصيد يؤكل، فاحتمل أن تكون الزيادة على ذلك المذكور في حديث ابن جريج ، من قول جابر؛ لأنه سمع النبي -عليه السلام- سماها صيدا.

                                                واحتمل أن يكون عن النبي -عليه السلام- فلما احتمل ذلك، ووجدنا السنة قد جاءت عن رسول الله -عليه السلام- أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، ، والضبع ذو ناب، لم يخرج من . ذلك شيئا، قد علمنا أنه دخل فيه شيء لم نعلم يقينا أنه أخرجه.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من تحريم أكل الضبع. . . إلى آخره.

                                                [ ص: 45 ] بيان ذلك: أن حديث جابر -رضي الله عنه- مضطرب في متنه؛ لأن جماعة رووه من حديث إبراهيم الصائغ ، عن عطاء ، عن جابر، على خلاف ما رواه عبد الملك بن جريج ، عن عبد الله بن عبيد ، عن عبد الرحمن بن أبي عمار ، عن جابر، وذلك لأن ابن جريج روى عن ابن عبيد ، عن ابن أبي عمار ، عن جابر: "أنه سأله عن الضبع، أأكلها؟ قال: نعم، فقال: أصيد هي؟ قال: نعم. قال: وسمعت ذلك من النبي -عليه السلام-؟ فقال: نعم".

                                                وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

                                                وروى إبراهيم الصائغ ، عن عطاء ، عن جابر ، عن النبي -عليه السلام- قال: "الضبع صيد، وجزاؤها كبش مسن ويؤكل".

                                                وأخرجه البيهقي .

                                                فأخبر في هذا الحديث عن النبي -عليه السلام-: "أن الضبع صيد، وما كل صيد يؤكل، ثم قوله: "ويؤكل" زيادة على رواية غيره، ويحتمل أن تكون تلك الزيادة من قول جابر نفسه، ويحتمل أن تكون من النبي -عليه السلام-، فلما احتمل ذلك، ووجدنا السنة قد جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بطرق صحيحة أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولا شك أن الضبع ذو ناب فشملته السنة الصحيحة، فخرج بذلك عن أن يكون من المأكولات.

                                                فإن قيل: ليس هذا باضطراب ولا خلاف في الحديث، بل إنما هو زيادة في بعض الطرق على الباقية فتقبل الزيادة ويعمل بها.

                                                قلت: روى تلك الزيادة إبراهيم الصائغ، فقد قال أبو حاتم: لا يحتج به، وذكره النسائي في "الضعفاء".

                                                [ ص: 46 ] وأجاب بعض أصحابنا في هذا الموضع فقال: حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع صحيح مشهور، ثابت مروي من عدة طرق، فلا يعارض به حديث "الضبع صيد" لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس هو بمشهور بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه، كذا قال: صاحب "التمهيد".

                                                فإن قيل: وقد روي أيضا عن طريق عطاء ، عن جابر كما ذكرنا.

                                                قلت: فيه شخصان فيهما كلام، وهما حسان بن إبراهيم ، عن إبراهيم بن ميمون الصائغ .

                                                أما حسان فقد ذكره النسائي في "الضعفاء"، وقال: ليس بالقوي.

                                                وأما الصائغ فقد ذكرنا الآن عن أبي حاتم ما قال فيه.

                                                وقال الكاساني: حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع مشهور محرم، وحديث جابر في الضبع ليس بمشهور وهو محلل، فالمحرم يقضي على المبيح؛ احتياطا. انتهى.

                                                وقد أثبت بعض أصحابنا فيه النسخ؛ فقال: حديث جابر منسوخ.

                                                فإن قيل: كيف هذا النسخ؟ وما وجهه؟

                                                قلت: قال شمس الأئمة بعد أن ذكر طرق التخلص عن التعارض بين الأحاديث: وأما طلب التخلص بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر، والآخر موجبا للإباحة نحو ما روي أنه -عليه السلام- نهى عن أكل الضب، وروي أنه رخص فيه، وما روي أنه نهى عن أكل الضبع، وروي أنه رخص فيه، فإن التعارض بين النصين ثابت من حيث الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ، وهو أن النص الموجب للحظر لأنه يكون متأخرا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى.

                                                فإن قيل: أجعل الموجب للإباحة في حكمه؟

                                                [ ص: 47 ] قلت: لا يمكن ذلك؛ لأنه يلزم منه إثبات النسخ مرتين: نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة، فإذا جعلنا نص الحظر متأخرا احتجنا إلى إثبات النسخ في أحدهما خاصة، فكان هذا الجانب أولى، ولأنه قد ثبت بالاتفاق نسخ حكم الإباحة بالحظر، فأما نسخ حكم الحظر بالإباحة محتمل، وبالاحتمال لا يثبت النسخ، ولأن النص الموجب للحظر فيه زيادة حكم، وهو نيل الثواب بالانتهاء، واستحقاق العقاب بالإقدام عليه، وذلك ينعدم في النص الموجب للإباحة، فكان تمام الاحتياط في إثبات التاريخ بينهما على أن يكون الموجب للحظر متأخرا والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع.




                                                الخدمات العلمية