الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
استوفى مما وجد ثم تراجعوا . ومن أعسر : فعليه ، وإن لم يعلموا

التالي السابق


( استوفى ) الطارئ جميع حقه ( مما وجد ) من التركة ( ثم تراجعوا ) أي رجع الوارث المأخوذ نصيبه في الدين على من باع نصيبه بما يخصه من الدين ( ومن أعسر ) منهم ( فعليه ) أي المعسر يرجع الطارئ بما عليه ويتبع ذمته ولا يأخذه من مليء غيره ( إن لم يعلموا ) أي الورثة بالطارئ ، فإن كانوا عالمين به أخذ من المليء ما على المعسر . الحط ذكر المصنف رحمه الله تعالى أربع مسائل ، الأولى : أن يطرأ غريم على الورثة بعد أن اقتسموا التركة . الثانية : أن يطرأ موصى له بعدد على الورثة بعد القسمة أيضا . [ ص: 307 ] الثالثة : أن يطرأ غريم على الورثة والموصى لهم بالثلث بعد القسمة . الرابعة : أن يطرأ موصى له بعدد على الورثة والموصى لهم بالثلث بعدها أيضا ، وذكر أن الحكم في الصور الأربع نقض القسمة لأنه شبهها باستحقاق الأكثر ، لكن شرط فيه كون المقسوم مقوما كدار وعبيد وثياب . واحترز عن كونه عينا أو مثليا فلا تنقض ، وصرح به بقوله وإن كان عينا أو مثليا رجع على كل من الورثة بحصته وشرط نقضها في المقوم أن لا يدفع الورثة أو أحدهم جميع الدين ولا العدد الموصى به . وقوله ومن أعسر فعليه إن لم يعلموا مشكل لاقتضائه أن التركة إذا كانت عينا أو مثليا وطرأ غريم بعد قسمها ووجد بعضهم موسرا وبعضهم معسرا فإنه يرجع على الموسر بحصته فقط ، ويتبع المعسر بحصته إذا لم يعلموا الدين وليس كذلك ، إنما هذا في طروء غريم على غرماء أو وارث على ورثة أو موصى له على موصى لهم .

وأما إذا طرأ غريم على ورثة فيرجع على مليئهم بجميع ما أخذه من التركة وله هو الرجوع على المعسر بما يخصه ، سواء علموا الدين أم لم يعلموه ، وكذا قوله بعد ومن أعسر فعليه إن لم يعلموا ففي قسمتها ومن هلك وعليه دين وترك دورا ورقيقا وصاحب الدين غائب فجهل أن الدين قبل القسمة ، أو لم يعلموا به فاقتسموا ميراثه ثم علموا الدين فترد القسمة حتى يوفي الدين إن كان ما اقتسموا قائما ، فإن أتلف بعضهم حظه وبقي في يد بعضهم حظه فلرب الدين أخذ دينه مما بيده ، فإن كان دينه أقل مما بيده أخذ قدر دينه وضم ما بيد هذا الوارث بعد الدين إلى ما أتلفه بقية الورثة ، فكان هو التركة ، وما بقي بيد الغارم فهو له ، ويتبع بقية الورثة بتمام ميراثه من مال الميت بعد الدين إن بقي له شيء ، ويضمن كل وارث ما أكله وما استهلكه مما أخذه من التركة وما باع فعليه ثمنه إن لم يحاب .

طفي قوله ومن أعسر فعليه إن لم يعلموا الظاهر أنه وهم منه رحمه الله تعالى ، إذ لم يذكره في المدونة ولا ابن الحاجب ولا غيرهم ممن وقفت عليه ، بل اقتصر ابن الحاجب [ ص: 308 ] على قوله يوفي دينه مما وجد ويتراجعون ، ولم أر من قال في تراجعهم من أعسر فعليه إن لم يعلموا إذ لا معنى لهذا الشرط لاستوائهم في العلم ، بل ظاهر كلامهم اتباع كل بحصته من غير تفصيل . وإن قيل محله التأخير فتأخير الذي قبله كما قلناه يغني عنه ، وقد استشكله الحط بعد استشكال الذي قبله . قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وما مات بأيديهم من حيوان أو هلك بأمر من الله تبارك وتعالى من عرض وغيره فلا يضمن من ملك ذلك بيده وضمانه من جميعهم . ابن القاسم لأن قسمهم باطل للدين ، ثم قال وإن قسم القاضي بينهم ثم طرأ دين انتقض كقسمهم بغير أمره وهم رجال ، ثم قال وإن طرأ على الورثة وارث أو موصى له بالثلث بعد القسم والتركة عين أو عرض ، فإنما يتبع كل واحد بقدر ما يصير إليه من حقه ، ولا يتبع الطارئ المليء بما على المعدم كالغريم الطارئ على ورثة ، ولكن كغريم طرأ على غرماء وقد قسموا مال الميت أجمع ، فأعدم بعضهم فلا يتبع المليء إلا بما عنده من حصته بالحصاص ، وإن كانت التركة دورا ولا عين فيها فاقتسمها الورثة ثم قدم وارث أو موصى له بثلث نقض القسم كانوا قد جمعوا الدور في القسم أو قسموا كل دار على حدة ولو قدم موصى له بدنانير أو دراهم والثلث يحملها كان كلحوق دين ، إما أن يؤدوه أو ينقض القسم ، ولا تجبر الورثة على أدائه من مالهم ومال الميت قائم ، ثم قال ولو طاع أكثرهم بأداء الوصية والدين وأبى أحدهم وقال انقضوا القسم وبيعوا لذلك واقتسموا ما بقي فذلك له ، ثم قال ولو دعوا إلى نقض القسم إلا واحدا قال أنا أؤدي جميع الدين أو الوصية عينا كانت أو طعاما ، ولا أتبعكم بشيء ولا تنقضوا القسمة لرغبته في حظه ، وقد قسموا ربعا وحيوانا فذلك له . ا هـ .

( تنبيهات ) الأول : الحط التفريق بين كون المقسوم مقوما ، وكونه عينا أو مثليا إنما ذكره ابن الحاجب في طريان وارث على مثله ، ولكنه يفهم من كلام غيره جريانه في طريان غريم [ ص: 309 ] أو موصى له بعدد على ورثة ، وصرح به في اللباب قال وإذا طرأ دين بعد القسمة يغترق التركة أخذ ذلك من يد الورثة ، وإن كان لا يغترقها وكلهم حاضر موسر غير ملد أخذ من كل واحد ما ينوبه وإن كان بعضهم غائبا أو معسرا أو ملدا أخذ دينه من الحاضر الموسر غير الملد ويتبع هو أصحابه وإن كانت التركة عقارا أو رقيقا فسخت حتى يوفي الدين علموا بالدين أو لم يعلموا قاله في المدونة . وقال أشهب وسحنون لا يفسخ ويفض الدين على ما بأيديهم بالحصص طفي فيه نظر إذ لا دليل له في كلام اللباب لأن الفسخ في المثلي إنما تظهر فائدته إذا هلك إما مع وجوده فلا يفسخ كما يأتي في كلام ابن رشد ، ولم يتكلم صاحب اللباب على هذا ، وإنما تكلم على كيفية الأخذ ، وفي هذا لا تنتقض القسمة في المثلي ، بل في غيره وهو مخالف للمصنف في كيفية الأخذ لقوله أخذ دينه من الحاضر الموسر . وقال المصنف ومن أعسر فعليه وهو ، قال علموا بالدين أو لم يعلموا . وقال المصنف إن لم يعلموا وقوله أخذ دينه من الحاضر معناه ما لم يجاوز ما قبضه .

الثاني : " غ " اشتمل كلامه على ثمانية أنواع من الأحد عشر نوعا التي في المقدمات وكأنه أسقط الثلاثة الباقية لرجوعها للثمانية التي ذكرها كما أشار إليه في المقدمات . ا هـ .

قلت والثلاثة الباقية طروء غريم على غرماء وورثة ، فإن كان فيما أخذه الورثة كفاف الدين رجع الغريم عليهم كما تقدم في طروء غريم على ورثة ، وإن لم يكن فيه كفاف دينه رجع على الغرماء ببقية ما يخصه بالمحاصة كرجوع غريم على غرماء الثانية طروء موصى له بجزء على موصى له بجزء وورثة ، وحكمها أنه إذا كان فيما أخذه الورثة زائد على الثلثين ، وهو كفاف الجزء الطارئ كان كطروء الموصى له بجزء على الورثة ، وإن لم يكن فيه كفاف رجع بباقي ما يخصه بالمحاصة في الثلث على الموصى لهم ، والثانية طروء غريم على ورثة وموصى لهم بأقل من الثلث ، وحكمها إن كان ما قبضه الموصى له يخرج من الثلث بعد أداء الدين فلا يرجع الغريم على الموصى له لا في عدم الورثة ، وإن كان لا يخرج من الثلث بعده فيرجع بالزائد عن الثلث على من وجده مليا من الموصى لهم . وأما قدر الثلث فلا يرجع على الموصى له إلا في عدم الورثة ، والله أعلم . [ ص: 310 ]

الثالث : طفي قوله كطروء غريم إلخ تشبيه في الفسخ ، سواء كان المقسوم مقوما أو مثليا ، فقوله والمقسوم كدار إلخ لا يصح هنا ، ومحله بعد قوله أو وارث أو موصى له على مثله إلخ ، كما فعل ابن الحاجب تبعا لابن شاس ، ونحوه في المدونة ، وتقديمه هنا وهم من المصنف أو مخرج المبيضة لأن النقض في طروء الغريم على الوارث مطلق ولأنه يأخذ المليء عن المعدم ما لم يجاوز ما قبضه كما قدمه في باب الفلس ، ولا فرق بين علمهم وعدمه فكيف يصح قوله ومن أعسر إن لم يعلموا ، وإنما هذا التفصيل في طروء الوارث على مثله . ابن عرفة إذا رجع القادم على الورثة ففي المدونة يتبع المليء في كل حظه بالإرث بما على المعدم ، بخلاف طروئه على غرماء . ابن رشد اختلف إذا طرأ على التركة دين أو وصية بعدما قسمها الورثة من دنانير أو دراهم أو طعام أو عرض أو حيوان أو عقار على خمسة أقوال ، أحدها : نقض القسمة لحق الله تعالى شاء الورثة أو أبوا فما هلك أو نقص من جميعهم وما نما لجميعهم فيخرج الدين أو الوصية من ذلك ، وإن بقي شيء فيقسم على الورثة ، وهذا قول مالك في رواية أشهب " رضي الله عنه " .

الثاني : نقضها إلا أن يتفق جميع الورثة على عدمه وإخراج الدين أو الوصية من أموالهم ، فذلك لهم ، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم المنصوص له في المدونة . ا هـ . فعلم منه أن فائدة نقضها ولو كانت التركة مثليا الضمان من جميعهم إذا تلف بسماوي ، وإذا كان المثلي قائما بأيديهم فلا تنقض إذ لا فائدة له . ابن رشد إن وجد ما قسموه بأيديهم فلا ينتقض قسمه من المكيل والموزون ، ولهذا قيد ابن عرفة المسألة أولا بغير المثلي إشارة إلى أن غير المثلي ينقض مطلقا ، وهو مع الهلاك ، إلا أن ابن عرفة كلامه يفيد بعضه بعضا . وأما كلام المصنف فيحتاج إلى وحي يسفر عنه بأن يقال قيد بقوله كدار إشارة إلى أن المثلي فيه تفصيل ، وهو عدم النقض مع وجوده ، والنقض مع هلاكه ، والله أعلم ، ولم أر من قيد بالمثلي كما فعل المصنف فابن رشد عمم كما ترى . وأطلق ابن شاس وابن الحاجب وغير [ ص: 311 ] واحد والعجب من شراحه كيف قرروه على ظاهره ، وأعجب منه قول " غ " رتب المصنف الطوارئ كما في المقدمات ، ورتبها على ترتيب ابن الحاجب لأصولها مع أن المصنف لم يرتبها كذلك ، وقد تنبه لما قلنا شرف الدين الطخيخي ، فاعترض على المصنف في قوله والمقسوم كدار إلا أنه لم يشف الغليل بإيراد النقول ، وقد أوردنا لك ما شفى وكفى ، والله الموفق .




الخدمات العلمية