الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإقالة

جزء التالي صفحة
السابق

( ويصح إقالة الإقالة فلو تقايلا البيع ثم تقايلاها ) أي الإقالة ( ارتفعت وعاد ) البيع ( إلا إقالة السلم ) فإنها لا تقبل الإقالة لكون المسلم فيه دينا سقط ، والساقط لا يعود أشباه وفيها رأس المال بعد الإقالة كهو قبلها فلا يتصرف فيه بعدها كقبلها إلا في مسألتين لو اختلفا فيه بعدها فلا تحالف ، ولو تفرقا قبل قبضه جاز إلا في الصرف [ ص: 131 ] وفيها اختلف المتبايعان في الصحة والبطلان فالقول لمدعي البطلان وفي الصحة والفساد لمدعي الصحة .

قلت : إلا في مسألة إذا ادعى المشتري بيعه من بائعه بأقل من الثمن قبل النقد وادعى البائع الإقالة فالقول للمشتري مع دعواه الفساد ولو بعكسه تحالفا [ ص: 132 ] بشرط قيام المبيع إلا إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري ، ورأيت معزيا للخلاصة : باع كرما وسلمه فأكل مشتريه نزله سنة ثم تقايلا لم يصح .

التالي السابق


( قوله : إلا إقالة السلم ) أي قبل قبض المسلم فيه فلو بعده صحت كما تعرفه . ( قوله : لكون المسلم فيه دينا سقط ) أي بالإقالة فلو انفسخت الإقالة لكان حكم انفساخها عود المسلم فيه ، والساقط لا يحتمل العود بخلاف الإقالة في البيع ; لأنه عين فأمكن عوده إلى ملك المشتري بحر من باب السلم . ( قوله : رأس المال ) أي مال السلم . ( قوله : كهو قبلها ) أي حكمه بعدها كحكمه قبلها ، وفيه إدخال الكاف على ضمير الرفع المنفصل ، وهو مختص بالضرورة ، وكذا قوله كقبلها فيه أن الظروف التي تقع غايات لا تجر إلا بمن حموي . ( قوله : فلا يتصرف فيه ) أي بنحو بيع وشركة قبل قبضه فلا يجوز لرب السلم شراء شيء من المسلم إليه برأس المال بعد الإقالة قبل قبضه أي قبل قبض رب السلم رأس المال من المسلم إليه وهذا في السلم الصحيح ، فلو فاسدا جاز الاستبدال كسائر الديون كما ذكره الشارح في بابه وفيه كلام سيأتي هناك . ( قوله : إلا في مسألتين ) استثناء من قوله كهو قبلها . ( قوله : لو اختلفا فيه ) أي في رأس المال بعدها أي بعد الإقالة يعني وقبل تسليم المسلم فيه لما في سلم البحر عن الذخيرة : لو تقايلا بعدما سلم المسلم إليه المسلم فيه ثم اختلفا في رأس المال تحالفا ; لأن المسلم فيه عين قائمة وليس بدين فالإقالة هنا تحتمل الفسخ قصدا ا هـ .

وهذا صريح في أن إقالة الإقالة في السلم جائزة لو بعد قبض المسلم فيه . ( قوله : فلا تحالف ) بل القول فيه قول المسلم إليه ذخيرة ، بخلاف ما قبلها ط عن أبي السعود قال ح : لأن التحالف باعتبار أن اختلافهما في رأس المال اختلاف في نفس العقد ولا عقد بعد الإقالة . ( قوله : ولو تفرقا قبل قبضه ) أي قبض رأس مال السلم بعد الإقالة جاز ; لأن قبضه شرط حال بقاء العقد لا بعد إقالته . ( قوله : إلا في الصرف ) استثناء منقطع ا هـ . ح لأن أصل الكلام في رأس المال فالأولى أن يقول بخلاف الصرف . فإن الحاصل : أن رأس المال في السلم بعد الإقالة لا يجوز الاستبدال به ، ولا يجب قبضه في مجلسها ، وبدل الصرف بالعكس ، فإن قبضه في مجلس الإقالة شرط لصحتها ويجوز الاستبدال به .

قال في البحر من السلم : ووجه الفرق أن القبض في مجلس العقد في البدلين ما شرط لعينه بل للتعيين وهو أن يصير البدل معينا بالقبض صيانة عن الافتراق عن دين بدين ، ولا حاجة إلى التعيين في مجلس الإقالة في السلم ; لأنه لا يجوز استبداله ، فتعود إليه [ ص: 131 ] عينه ، فلا تقع الحاجة إلى التعيين بالقبض ، فكان الواجب نفس القبض ، فلا يراعى له المجلس ، بخلاف الصرف ; لأن التعيين لا يحصل إلا بالقبض ; لأن استبداله جائز فلا بد من شرط القبض في مجلس التعيين ا هـ .

وحاصله : أن السلم لما لم يجز الاستبدال به قبل قبضه لم يلزم قبضه في مجلس الإقالة ; لأن التعيين موجود بخلاف الصرف فإنه لما جاز استبداله لزم قبضه ليحصل التعيين . مطلب في اختلافهما في الصحة والفساد أو في الصحة والبطلان

. ( قوله : اختلف المتبايعان إلخ ) كان الأولى ذكر هذه المسألة في باب البيع الفاسد ولكن مناسبتها هنا ذكر المسألة المستثناة . ( قوله : فالقول لمدعي البطلان ) لأن انعقاد البيع حادث والأصل عدمه ا هـ . ح فهو منكر لأصل العقد . ( قوله : لمدعي الصحة ) لأنهما لما اتفقا على العقد كان الظاهر من إقدامهما عليه صحته ا هـ . ح ولأن مدعي الفساد يدعي حق الفسخ وخصمه ينكر ذلك والقول للمنكر ط ولو برهنا فالبينة بينة الفساد ، وهذا لو ادعى الفساد بشرط فاسد أو أجل فاسد باتفاق الروايات ، وإن كان لمعنى في صلب العقد بأن ادعى أنه اشتراه بألف درهم وبرطل خمر ، والآخر يدعي البيع بألف درهم فيه روايتان ، عن أبي حنيفة في ظاهر الرواية : القول لمدعي الصحة أيضا والبينة بينة الآخر كما في الوجه الأول ، وفي رواية القول لمدعي الفساد خانية ، ولم يذكر هناك ما لو اختلفا في أنه لتحية أو جد أو اختلفا في أنه بات أو وفاء ; لأنه سيذكر ذلك آخر باب الصرف . ( قوله : قلت إلا في مسألة ) الاستثناء من صاحب الأشباه وعزا فيها المسألة إلى الفتح . ( قوله : وادعى البائع الإقالة ) أي به كما في الفتح ، الظاهر أن الضمير في به عائد إلى الأقل المذكور لا إلى الثمن .

فصورة المسألة : اشترى زيد من عمرو ثوبا بألف ثم رد زيد الثوب إليه قبل نقد الثمن وادعى أنه باعه منه قبل النقد بتسعين ، وفسد البيع بذلك ، وادعى البائع أنه رده إليه على وجه الإقالة بالتسعين فالقول لزيد المشتري مع يمينه في إنكار الإقالة كما في الفتح ، ووجهه كما قال الحموي أن دعوى الإقالة تستلزم دعوى صحة البيع ; لأنها لا تكون إلا في الصحيح ا هـ .

قلت : لكن تقدم أنها تجب في عقد مكروه وفاسد مع ما فيه من الكلام ، ويظهر لي أن وجهه ، وهو أن المشتري لما ادعى بيعه بالتسعين لم يجب له غيرها ومدعي الإقالة يدعي أن الواجب المائة ; لأن الإقالة إن كانت بمائة فظاهر وإن كانت بتسعين ; فلأنها لا تكون إلا بمثل الأول وإن شرط أقل منه كما مر فقد صار مقرا للمشتري بالعشرة والمشتري يكذبه فلغا كلام مدعي الإقالة تأمل . ( قوله : ولو بعكسه ) بأن ادعى زيد المشتري الإقالة وادعى عمرو البائع أنه اشتراه من المشتري بتسعين . ( قوله : تحالفا ) وجهه : أن المشتري بدعواه الإقالة يدعي أن الثمن الذي يستحقه بالرد مائة ، والبائع بدعواه الشراء بالتسعين يدعي أن الثمن الواجب رده للمشتري تسعون ، فنزل اختلافهما فيما يجب تسليمه إلى المشتري بمنزلة اختلافهما في قدر الثمن الموجب للتحالف بالنص ، وإلا فالمائة التي هي الثمن الأول إنما ترد إلى المشتري بحكم الإقالة في البيع الأول وهي غير الخمسين التي هي الثمن في البيع الثاني أفاده الحموي . [ ص: 132 ]

قلت : وفيه أن الكلام فيما قبل نقد المشتري الثمن ، وأيضا فمسألة التحالف عند اختلاف المتبايعين ، ورد بها النص على خلاف القياس فكيف يقاس عليها غيرها مع عدم التماثل ؟ والذي يظهر لي أن المسألة مفرعة على قول أبي يوسف إن الإقالة بيع لا فسخ ، وحينئذ فقد توافقا على البيع الحادث ، لكن المشتري يدعيه بوجه الإقالة والواجب فيها مائة والبائع يدعيه بالبيع بالأقل ، وذلك اختلاف في الثمن في عقد حادث ، والله أعلم فافهم . ( قوله : بشرط قيام المبيع إلخ ) هذا شرط التحالف مطلقا قال في الأشباه : يشترط قيام البيع عند الاختلاف في التحالف إلا إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري ، كما في الهداية ا هـ فإنه إذا استهلكه غير المشتري تكون قيمة العين قائمة مقامها ، وأما إذا استهلكه المشتري في يد البائع نزل قابضا وامتنعت الإقالة ، وكذا إذا استهلكه أحد في يده لفقد شرط الصحة ، وهو بقاء المبيع ، ومحل عدم التحالف عند هلاك المبيع وإذا كان الثمن دينا ، أما إذا كان عينا بأن كان العقد مقابضة وهلك أحد العوضين ، فإنهما يتحالفان من غير خلاف ; لأن المبيع في أحد الجانبين قائم ، ويرد مثل الهالك أو قيمته والمصير إلى التحالف فرع العجز عن إثبات الزيادة بالبينة ، وتمامه في حاشية الأشباه لأبي السعود ط . ( قوله : نزله ) بضم النون والزاي ، والمراد ثمرته ا هـ . ( قوله : لم يصح ) تمام عبارة الخلاصة وكذا إذا هلكت الزيادة المتصلة أو المنفصلة أو استهلكها أجنبي ا هـ .

أقول : ينبغي تقييد المسألة بما إذا حدثت هذه الزيادة بعد القبض ، أما قبله فلا تمنع الإقالة كما في الرد بالعيب تأمل ، وفي التتارخانية : ولو اشترى أرضا فيها نخل ، فأكل الثمر ، ثم تقايلا قالوا إنه تصح الإقالة ، ومعناه على قيمته إلا أن يرضى البائع أن يأخذها كذلك ا هـ . رملي على المنح ، وبما ذكره من التقييد يندفع ما يتوهم من منافاة ما في الخلاصة لما مر من أن هلاك بعضه يمنع الإقالة بقدره ، ولما مر في قوله شرى أرضا مزروعة إلخ ومثله مسألة التتارخانية المذكورة ، ويؤيده ما قدمناه من أن الزيادة المنفصلة المتولدة تمنع لو بعد القبض ، والله سبحانه أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث