الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن يقبلها محتال عليه ومحال عليه ) فالفرق بالصلة وقد تحذف من الأول ( والمال محال به و ) الحوالة ( شرط لصحتها رضا الكل بلا خلاف إلا في الأول ) وهو المحيل فلا يشترط على المختار شرنبلالية عن المواهب .

بل قال ابن الكمال : إنما شرطه القدوري للرجوع عليه فلا اختلاف في الرواية ، لكن استظهر الأكمل أن ابتداءها إن من المحيل شرط ضرورة ، وإلا لا [ ص: 342 ] وأراد بالرضا القبول ، فإن قبولها في مجلس الإيجاب شرط الانعقاد بحر عن البدائع .

لكن في الدرر وغيرها : الشرط قبول المحتال أو نائبه ورضا الباقين لا حضورهما ، وأقره المصنف .

التالي السابق


( قوله فالفرق بالصلة ) أي باختلافها وهي اللام في الأول ، وعلى الثاني وهذا على وجودها في الأول وقد علمت وجه صحته ، وأما على حذفها المفاد بقوله : وقد تحذف فالمراد أن الفرق بالصلة وجودا وعدما كما مر عن الفتح فافهم ( قوله والحوالة شرط لصحتها إلخ ) قال في النهر : وشرط صحتها في المحيل العقل ، فلا تصح حوالة مجنون وصبي لا يعقل والرضا ، فلا تصح حوالة المكره وأما البلوغ فشرط للنفاذ فصحة حوالة الصبي العاقل موقوفة على إجازة وليه وليس منها الحرية فتصح حوالة العبد مطلقا ، غير أن المأذون يطالب للحال والمحجور بعد العتق ، ولا الصحة فتصح من المريض .

وفي المحتال العقل والرضا وأما البلوغ فشرط النفاذ أيضا فانعقد احتيال الصبي موقوفا على إجازة وليه إن كان الثاني أملأ من الأول كاحتيال الوصي بمال اليتيم ومن شرط صحتها المجلس .

قال في الخانية : والشرط حضرة المحتال فقط حتى لا تصح في غيبته إلا أن يقبل عنه آخر ، وأما غيبة المحتال عليه فلا تمنع ، حتى لو أحال عليه فبلغه فأجاز صح ، وهكذا في البزازية ولا بد في قبولها من الرضا ، فلو أكره على قبولها لم تصح وفي المحال به أن يكون دينا لازما فلا تصح ببدل الكتابة كالكفالة ا هـ ( قوله رضا الكل ) أما رضا الأول فلأن ذوي المروءات قد يأنفون تحمل غيرهم ما عليهم من الدين ، فلا بد من رضاه ، وأما رضا المحتال فلأن فيها انتقال حقه إلى ذمة أخرى والذمم متفاوتة وأما رضا الثالث وهو المحتال عليه فلأنها إلزام الدين ولا لزوم بلا التزام درر قلت : نقل السائحاني عن لقطة البحر إذا استدانت الزوجة النفقة بأمر القاضي لها أن تحيل على الزوج بلا رضاه ( قوله فلا يشترط على المختار ) هو رواية الزيادات قال فيها : لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه والمحيل لا يتضرر ، بل فيه منفعة لأن المحال عليه لا يرجع إذا لم يكن بأمره درر ( قوله للرجوع عليه ) أي رجوع المحال عليه على المحيل ، أو ليسقط الدين الذي للمحيل على المحال عليه كما في الزيلعي ، أما بدون الرضا فلا رجوع ولا سقوط وهو محمل رواية الزيادات ( قوله لكن استظهر الأكمل إلخ ) أي في العناية وهو توفيق آخر بين روايتي الزيادات والقدوري ، لكن لا بد فيه من ضميمة التوفيق الأول كما تعرفه .

( قوله شرط ضرورة ) ; لأنها إحالة وهي فعل اختياري ولا يتصور بدون الإرادة والرضا وهو محمل رواية القدوري وقوله : " إلا لا " أي وإن لم يكن ابتداؤها من المحيل بل من المحال عليه تكون احتيالا يتم بدون إرادة المحيل بإرادة المحال عليه ورضاه ، وهو وجه رواية الزيادات عناية لكن لا يخفى أنه على الثاني لا يثبت للمحال عليه الرجوع بما أدى ، ولو كان عليه للمحيل دين [ ص: 342 ] لا يسقط إلا برضا المحيل فرجع إلى التوفيق الأول ( قوله وأراد بالرضا القبول ) أي الذي هو أحد ركني العقد فيشترط له المجلس شطر العقد لا يتوقف على قبول غائب بل يلغو ، بخلاف الرضا الذي ليس ركن عقد ( قوله فإن قبولها إلخ ) ذكر في البحر أولا أن من الشروط مجلس الحوالة وقال : وهو شرط الانعقاد في قولهما ، خلافا لأبي يوسف فإنه شرط النفاذ عنده ، فلو كان المحتال غائبا عن المجلس فبلغه الخبر فأجاز لم ينعقد عندهما خلافا له والصحيح قولهما ا هـ .

ثم قال هنا : وأراد من الرضا القبول في مجلس الإيجاب لما قدمناه أن قبولهما في مجلس الإيجاب شرط الانعقاد ، وهو مصرح به في البدائع ا هـ .

وما ذكره في البحر أولا هو عبارة البدائع فقوله : " لما قدمناه أن قبولهما " الظاهر أن الميم فيه زائدة ، وأن الضمير فيه مفرد عائد للحوالة المتبادر من كلام البدائع أن اشتراط المجلس عندهما إنما هو في المحتال فقط بقرينة التفريع ويأتي قريبا ما يؤيده ا هـ ( قوله لكن في الدرر وغيرها ) أي كالخانية والبزازية والخلاصة وعبارة الخانية الحوالة تعتمد قبول المحتال له والمحال عليه ، ولا تصح في غيبة المحتال له في قول أبي حنيفة ومحمد ، كما قلنا في الكفالة إلا أن يقبل رجل الحوالة للغائب ، ولا تشترط حضرة المحتال عليه لصحة الحوالة حتى لو أحاله على رجل غائب ثم علم الغائب فقبل صحت الحوالة ا هـ .

ومراده بالقبول في قوله تعتمد قبول . . . إلخ الرضا الأعم من القبول المشروط له المجلس بقرينة آخر العبارة ، ولم يذكر رضا المحيل بناء على رواية الزيادات أنه غير شرط .

فتلخص من كلامه : أن الشرط قبول المحتال في المجلس ورضا المحال عليه ولو غائبا ، وهو ما لخصه في النهر كما مر ، وظاهره أن خلاف أبي يوسف في المحتال فقط فعنده لا تشترط حضرته بل يكفي رضاه كالمحال عليه ، وأنه لا خلاف في المحال عليه في أن حضرته غير شرط ، وبه ظهر أنه لا يصح التوفيق بحمل ما في الدرر وغيرها على قول أبي يوسف الذي هو خلاف الصحيح ، بل هو محمول على قولهما المصحح فافهم .

وبما قررناه ظهر أنه لا خلاف في اشتراط الرضا الأعم ، وأن الخلاف في قبول المحتال في المجلس لا في رضاه ، فلا ينافي ذلك قول المصنف شرط رضا الكل بلا خلاف إلخ خلافا لما ظنه في العزمية ( قوله أو نائبه ) أي ولو فضوليا ، وبه عبر في الدرر قال في الفتح : فيتوقف أي قبول الفضولي على إجازة المحتال إذا بلغه ( قوله ورضا الباقين ) كذا في بعض النسخ بياءين ثانيتهما ياء التثنية وفي عامة النسخ بياء واحدة على أنه جمع أريد به ما فوق الواحد ، ثم لا يخفى أن اشتراط رضا المحيل مبني على رواية القدوري : وهي خلاف المختار كما قدمه فالأحسن عبارة الغرر متن الدرر وهي : وشرط حضور الثاني إلا أن يقبل فضولي له لا حضور الباقين ا هـ .

فلم يذكر اشتراط رضاهما فيصدق بكل من الروايتين .

وقال في الدرر : أما عدم اشتراط حضور الأول ، وهو المحيل فبأن يقول رجل للدائن لك على فلان بن فلان ألف درهم فاحتل بها علي فرضي الدائن فإن الحوالة تصح حتى لا يكون له أن يرجع ، وأما عدم اشتراط حضور الثالث وهو المحتال عليه فبأن يحيل الدائن على رجل غائب ثم علم الغائب فقبل صحت الحوالة ، كذا في الخانية ا هـ .

قلت : فلم يذكر في هذا التصوير رضا المحيل الغائب ، وذكر في الثاني رضا المحتال عليه الغائب ، وذلك مبني على رواية الزيادات المختارة كما مر .




الخدمات العلمية