الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولا يقبل برهانه على إفلاسه قبل حبسه ) لقيامها على النفي وصححه عزمي زاده وصحح غيره قبولها والمعول عليه رأيه كما مر فإن علم إعساره قبلها وإلا لا نهر فليحفظ [ ص: 389 ] ( وبينة يساره أحق ) من بينة إعساره بالقبول لأن اليسار عارض والبينات للإثبات .

نعم لو بين سبب إعساره وشهدوا به فتقدم لإثباتها أمرا عارضا فتح بحثا واعتمده في النهر وفي القنية وإن لم يبينوا مقدار ما يملك قبلت وإلا لم يمكن قبولها ; لأنها قامت للمحبوس وهو منكر والبينة متى قامت للمنكر لا تقبل ( وأبد حبس الموسر ) لأنه جزاء الظلم [ ص: 390 ] قلت : وسيجيء في الحجر أنه يباع ماله لدينه عندهما وبه يفتى وحينئذ فلا يتأبد حبسه فتنبه .

التالي السابق


( قوله : ولا يقبل برهانه على إفلاسه قبل حبسه إلخ ) هذا مقابل قوله ثم بعد حبسه سأل عنه وقد اختلف التصحيح في هذه المسألة ففي الخانية عن ابن الفضل أن الصحيح القبول وفي شرح أدب القضاء أن الصحيح عدمه ، وأن عليه عامة المشايخ واختار في الخانية أنه مفوض إلى رأي القاضي ، فإن رأى أنه لين يقبل وإن علم أنه وقح لا قال في أنفع الوسائل وكأنه أراد بقوله لين أن يعتذر إليه ويتلطف معه وبقوله وقح أن يقول لو قعدت في الحبس كذا وكذا ، ولا يحصل لك مني شيء وآخرتي أخرج على رغمك ونحو ذلك . ثم قال : وكان والدي يقول ينبغي للقاضي إذا علم أن بينته عدول ممهدون في العدالة يقبل ، قال وهذا حسن أيضا وعملي عليه ; لأن العدل المتحري لا يشهد ما لم يقطع بفقره ، بخلاف غيره ممن يحتاج إلى تركته ولا يعرف القاضي تحريه ولا ديانته ا هـ ملخصا وبقي ما إذا برهن على إفلاسه بعد حبسه قبل مضي المدة وفي الخانية لا يقبل في الروايات الظاهرة إلا بعد مضي المدة ا هـ ، ومشى الإمام الخصاف في أدب القضاء على قبولها قبل مضي المدة .

( قوله : وصححه عزمي زاده ) ليس هو من أهل التصحيح ، ولكنه نقل عن الزيلعي أن عليه عامة المشايخ ، قلت : وعليه الكنز وغيره وعلمت التصريح بتصحيحه وعلله الزيلعي بأنها بينته على النفي فلا تقبل ما لم تتأيد بمؤيد وهو الحبس وبعده تقبل على سبيل الاحتياط لا على الوجوب كما بينا ا هـ .

( قوله : والمعول عليه رأيه ) أي رأي القاضي ، واعلم أن كلام النهر هنا غير محرر ، فإنه قال بعد تعليل الزيلعي المذكور آنفا والمعول عليه رأيه كما مر عن شيخ الإسلام وهذا هو إحدى الروايتين وهو اختيار العامة وهو الصحيح وقال ابن الفضل الصحيح أنها تقبل وقال قاضي خان ينبغي أن يكون مفوضا إلى رأي القاضي ، إن علم يساره لا يقبلها وإن علم إعساره قبلها ا هـ ، وبقي ما إذا لم يعلم من حاله شيئا ، والظاهر أنه لا يقبلها ا هـ ما في النهر وفيه أن ما مر عن شيخ الإسلام هو ما قدمناه عنه في سؤال عن حالة المحبوس بعد تمام المدة وأنه يجب بل له أن يعمل بما يراه ولا يخفى أن كلامنا هنا فيما قبل الحبس ، وما نقله عن قاضي خان غيره ما قدمناه عنه آنفا ، ولا يخفى ما فيه فإنه إذا علم إعساره وكان ظاهرا يسأل عنه عاجلا ويقبل بينته ، ويخلي سبيله كما قدمه الشارح ، والكلام هنا فيما إذا كان أمره مشكلا كما في البزازية ، حيث قال : وإن كان أمره مشكلا هل يقبل البينة قبل الحبس فيه روايتان . [ ص: 389 ] مطلب بينة اليسار أحق من بينة الإعسار عند التعارض ( قوله : وبينة يساره أحق إلخ ) هذا ظاهر فيما يكون فيه القول للمديون إنه فقير ; لأن البينة لإثبات خلاف الظاهر وذلك في بينة اليسار .

أما القسم الأول وهو ما يكون القول فيه للمدعي بأن كان الدين ملتزما بمقابلة مال أو بعقد فلا يظهر ; لأن الأصل فيه اليسار بل الظاهر تقدم بينة الإعسار لإثباتها خلاف الظاهر ، ولم أر من فصل ، بل كلامهم هنا مجمل فليتأمل .

( قوله : لأن اليسار عارض ) فإن الآدمي يولد ولا مال له كما مر ، لكن إذا تحقق دخول المبيع في يده صار اليسار هو الأصل فينبغي ترجيح بينة الإعسار كما قلنا تأمل .

( قوله : نعم لو بين إلخ ) عبارة الفتح هكذا وكلما تعارضت بينة اليسار والإعسار قدمت بينة اليسار ; لأن معها زيادة علم اللهم إلا أن يدعي أنه موسر وهو يقول أعسرت من بعد ذلك وأقام بذلك بينة فإنها تقدم ; لأن معها علما بأمر حادث وهو حدوث ذهاب المال ا هـ . قال في البحر : والظاهر أنه بحث منه وليس بصحيح لجواز حدوث اليسار بعد إعساره الذي ادعاه ا هـ ، ورده المقدسي بقوله وهذا تجر من غير تحر ا هـ . قلت : ووجهه أولا منع كونه بحثا بل ظاهر كلام الفتح أنه منقول كيف وهو موافق لما قدمناه عن أنفع الوسائل عن النهاية عند قول الشارح إلا إذا تنازعا وثانيا ما قاله في النهر : من أنه ينبغي أن يكون معناه أنه بين سبب الإعسار وشهدوا به ، وما في البحر مدفوع بأنهم لم يشهدوا بيسار حادث بل بما هو سابق على الإعسار الحادث ، وبينة الإعسار تحدث أمرا عارضا ا هـ ، لكن يظهر لي أن بيان سبب الإعسار غير لازم بل يكفي قولهم إنه أعسر بعد ذلك تأمل .

[ تنبيه ] قال البيري وفي أوضح رمز ناقلا عن المستصفى : واعلم أن بينة الإعسار إنما تقبل إذا قالوا إنه كثير العيال وضيق الحال ، أما إذا قالوا لا مال له لا تقبل ا هـ .

( قوله : فتقدم ) الأولى حذف الفاء ط .

( قوله : قبلت ) لأن المقصود منها دوام الحبس عليه بحر عن البزازية .

( قوله : وإلا إلخ ) أي بأن بينوا مقدار ما يملك لم يمكن قبولها .

( قوله : لأنها قامت للمحبوس إلخ ) أي على إثبات ملكه لقدر معين قال في القنية : وقولهم أي الشهود إنه موسر ليس كذلك فيقبل ا هـ ، قلت : وحاصله أن الشهود لو قالوا إنه يملك الشيء الفلاني مثلا لا تقبل ; لأنه يقول لا أملك شيئا وهم يشهدون له بأن ذلك الشيء ملكه والبينة لا تقبل للمنكر بل تقبل عليه ، وهذه شهادة له صريحا وتتضمن الشهادة عليه بيساره إدامة حبسه ، وإذا بطل الصريح بطل ما في ضمنه بخلاف قولهم إنه موسر فإنها شهادة عليه صريحا ، وإن كان قولهم إنه موسر يتضمن الشهادة بأنه يملك قدر الدين أو أكثر فإنها ليست بشهادة له إذ ليس فيها إثبات شيء معين أو مقدار [ ص: 390 ] قدر الدين ; لأن اليسار أعم ، وأيضا فإنها ضمنية لا صريحة بل الصريح منها قصد إدامة حبسه فافهم .

( قوله : وسيجيء في الحجر ) قدمنا عبارته فيه .

( قوله : وحينئذ فلا يتأبد حبسه ) أي على قولهما وكذا على قوله إن كان ماله غير عقار ولا عرض بل كان من الأثمان ، ولو خلاف جنس الدين كما قدمناه




الخدمات العلمية