الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 276 ] وبيع الوفاء ذكرته هنا تبعا للدرر : صورته أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين ، وسماه الشافعية بالرهن المعاد ، ويسمى بمصر بيع الأمانة ، وبالشام بيع الإطاعة ، قيل هو رهن فتضمن زوائده ، وقيل بيع يفيد الانتفاع به ، وفي إقالة شرح المجمع عن النهاية : وعليه الفتوى ، [ ص: 277 ] وقيل إن بلفظ البيع لم يكن رهنا ، ثم إن ذكرا الفسخ فيه أو قبله أو زعماه غير لازم كان بيعا فاسدا ، ولو بعده على وجه الميعاد جاز لزم الوفاء به ; لأن المواعيد قد تكون لازمة لحاجة الناس ، وهو الصحيح كما في الكافي والخانية وأقره خسرو هنا والمصنف في باب الإكراه وابن الملك في باب الإقالة بزيادة . وفي الظهيرية : لو ذكر الشرط بعد [ ص: 278 ] العقد يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة ولم يذكر أنه في مجلس العقد أو بعده . وفي البزازية : ولو باعه لآخر باتا توقف على إجازة مشتريه وفاء ولو باعه المشتري فللبائع أو ورثته حق الاسترداد ، وأفاد في الشرنبلالية أن ورثة كل من البائع والمشتري تقوم مقام مورثها نظرا لجانب الرهن فليحفظ ، ولو استأجره بائعه لا يلزمه أجر ; لأنه رهن حكما حتى لا يحل الانتفاع به . قلت : وفي فتاوى ابن الجلبي : إن صدرت الإجارة بعد قبض المشتري المبيع وفاء ولو للبناء وحده فهي صحيحة - [ ص: 279 ] والأجرة لازمة للبائع طول مدة التآجر انتهى فتنبه .

قلت : وعليه فلو مضت المدة وبقي في يده فأفتى علماء الروم بلزوم أجر المثل ويسمونه بيع الاستغلال وفي الدرر صح بيع الوفاء في العقار استحسانا . واختلف في المنقول . وفي الملتقط والمنية اختلفا أن البيع باتا أو وفاء جد أو هزل القول لمدعي الجد والبتات إلا بقرينة الهزل والوفاء : قلت : لكنه ذكر في الشهادات أن القول لمدعي الوفاء استحسانا كما سيجيء فليحفظ . ولو قال البائع بعتك بيعا باتا فالقول له [ ص: 280 ] إلا أن يدل على الوفاء بنقصان الثمن كثيرا إلا أن يدعي صاحبه تغير السعر . وفي الأشباه في أواخر قاعدة : العادة محكمة عن المنية : لو دفع غزلا إلى حائك لينسجه بالنصف جوزه مشايخ بخارى للعرف ، ثم نقل في آخرها عن إجازة البزازية أن به أفتى مشايخ بلخ وخوارزم وأبو علي النسفي أيضا . قال : والفتوى على جواب الكتاب للطحان ; لأنه منصوص عليه ، فيلزم إبطال النص . وفيها من البيع الفاسد : القول السادس في بيع الوفاء أنه صحيح لحاجة الناس فرارا من الربا . وقالوا : ما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه ، ثم قال : والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص ، ولكن أفتى كثير باعتباره ، فأقول على اعتباره : ينبغي أن يفتى بأن ما يقع في بعض الأسواق من خلو الحوانيت لازم ويصير الخلو في الحانوت حقا له فلا يهلك صاحب الحانوت إخراجه منها ولا إجارتها لغيره ، ولو كانت وقفا ، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص قد تعارف الفقهاء النزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها فينبغي الجواز ، وأنه لو نزل له وقبض منه المبلغ ثم أراد الرجوع لا يملك ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

[ ص: 281 ] قلت : وأيده في زواهر الجواهر بما في واقعات الضريري : رجل في يده دكان فغاب فرفع المتولي أمره للقاضي فأمره القاضي بفتحه وإجارته ففعل المتولي ذلك وحضر الغائب فهو أولى بدكانه ، وإن كان له خلو فهو أولى بخلوه أيضا ، وله الخيار في ذلك ، فإن شاء فسخ الإجارة وسكن في دكانه ، وإن شاء أجازها ورجع بخلوه على المستأجر ويؤمر المستأجر بأداء ذلك إن رضي به وإلا يؤمر بالخروج من الدكان ، والله أعلم ا هـ بلفظه .

التالي السابق


( قوله : ذكرته هنا تبعا للدرر ) وذكره في البحر في باب خيار الشرط ، وذكر فيه ثمانية أقوال ، وعقد له في جامع الفصولين فصلا مستقلا هو الفصل الثامن عشر ، وذكره في البزازية في الباب الرابع في البيع الفاسد ، وذكر فيه تسعة أقوال ، وكتب عليه أكثر من نصف كراسة . مطلب في بيع الوفاء

ووجه تسميته بيع الوفاء أن فيه عهدا بالوفاء من المشتري بأن يرد المبيع على البائع حين رد الثمن ، وبعض الفقهاء يسميه البيع الجائز ، ولعله مبني على أنه بيع صحيح لحاجة التخلص من الربا حتى يسوغ المشتري أكل ريعه ، وبعضهم يسميه بيع المعاملة . ووجهه أن المعاملة ربح الدين وهذا يشتريه الدائن لينتفع به بمقابلة دينه . ( قوله : وصورته إلخ ) كذا في العناية ، وفي الكفاية عن المحيط : هو أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بما لك علي من الدين على أني متى قضيته فهو لي ا هـ . وفي حاشية الفصولين عن جواهر الفتاوى : هو أن يقول بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن فهذا البيع باطل وهو رهن ، وحكمه حكم الرهن وهو الصحيح ا هـ . فعلم أنه لا فرق بين قوله على أن ترده علي أو على أن تبيعه مني . ( قوله : بيع الأمانة ) وجهه أنه أمانة عند المشتري بناء على أنه رهن أي كالأمانة . ( قوله : بيع الإطاعة ) كذا في عامة النسخ ، وفي بعضها بيع الطاعة ، وهو المشهور الآن في بلادنا ، وفي المصباح : أطاعه إطاعة : أي انقاد له ، وأطاعه طوعا من باب قال لغة ، وانطاع له انقاد . قالوا : ولا تكون الطاعة إلا عن أمر كما أن الجواب لا يكون إلا عن قول ، يقال أمره فأطاع ا هـ ، ووجهه حينئذ أن الدائن يأمر المدين بيع داره مثلا بالدين فيطيعه فصار معناه بيع الانقياد .

( قوله : قيل هو رهن ) قدمنا آنفا عن جواهر الفتاوى أنه الصحيح . قال في الخيرية : والذي عليه الأكثر أنه رهن لا يفترق عن الرهن في حكم من الأحكام . وقال السيد الإمام : قلت : للإمام الحسن الماتريدي : قد فشا هذا البيع بين الناس ، وفيه مفسدة عظيمة ، وفتواك أنه رهن وأنا أيضا على ذلك فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس ، فقال المعتبر اليوم فتوانا ، وقد ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله ا هـ . قلت : وبه صدر في جامع الفصولين فقال رامزا لفتاوى النسفي : البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالا للربا وسموه بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه ، وهو ضامن لما أكل من ثمره وأتلف من شجره ويسقط الدين بهلاكه لو بقي ولا يضمن الزيادة وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام ا هـ ، ثم نقل ما مر عن السيد الإمام . وفي جامع الفصولين : ولو بيع كرم بجنب هذا الكرم فالشفعة للبائع لا للمشتري ; لأن بيع المعاملة وبيع التلجئة حكمهما حكم الرهن وللرهن حق الشفعة وإن كان في يد المرتهن ا هـ . ( قوله : وقيل بيع يفيد الانتفاع به ) هذا [ ص: 277 ] محتمل لأحد قولين ، الأول أنه بيع صحيح مفيد لبعض أحكامه من حل الانتفاع به إلا أنه لا يملك بيعه : قال الزيلعي في الإكراه وعليه الفتوى . الثاني القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام ، حتى ملك كل منها الفسخ صحيح في حق بعض الأحكام : كحل الإنزال ومنافع المبيع ، ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه وسقط الدين بهلاكه فهو مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما : قال في البحر : وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع وفي النهر والعمل في ديارنا على ما رجحه الزيلعي . ( قوله : لم يكن رهنا ) لأن كلا منها عقد مستقل شرعا لكل منهما أحكام مستقلة ا هـ ، درر ط . ( قوله : ثم إن ذكرا الفسخ فيه ) أي شرطاه فيه وبه عبر في الدرر ط وكذا في البزازية .

( قوله : أو قبله ) الذي في الدرر بدل هذا أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء ا هـ ط ومثله في البزازية .

( قوله : جاز ) مقتضاه أنه بيع صحيح بقرينة مقابلته لقوله كان بيعا فاسدا ، والظاهر أنه مبني على قولهما بأن ذكر الشرط الفاسد بعد العقد لا يفسد العقد فلا ينافي ما بعده عن الظهيرية . ( قوله : ولزم الوفاء به ) ظاهره أنه لا يلزم الورثة بعد موته كما أفتى به ابن الشلبي معللا بانقطاع حكم الشرط بموته ; لأنه بيع فيه إقالة وشرطها بقاء المتعاقدين ; ولأنه بمنزلة خيار الشرط وهو لا يورث ا هـ . قلت : وهذا ظاهر على هذا القول بأنه بيع صحيح لا يفسده الشرط اللاحق فلا ينافي ما يأتي عن الشرنبلالية . هذا وفي الخيرية فيما لو أطلق البيع ولم يذكر الوفاء إلا أنه عهد إلى البائع أنه إن أوفى مثل الثمن يفسخ البيع معه أجاب : هذه المسألة اختلف فيها مشايخنا على أقوال . ونص في الحاوي الزاهدي أن الفتوى في ذلك أن البيع إذا أطلق ولم يذكر فيه الوفاء إلا أن المشتري عهد إلى البائع أنه إن أوفى مثل ثمنه فإنه يفسخ معه البيع يكون باتا حيث كان الثمن ثمن المثل أو بغبن يسير ا هـ وبه أفتى في الحامدية أيضا ، فلو كان بغبن فاحش مع علم البائع به فهو رهن ، وكذا لو وضع المشتري على أصل المال ربحا ، أما لو كان بمثل الثمن أو بغبن يسير بلا وضع ربح فبات ; لأنا إنما نجعله رهنا بظاهر حاله أنه لا يقصد البات عالما بالغبن أو مع وضع الربح أفاده في البزازية وذكر أنه مختار أئمة خوارزم ، وذكر في موضع آخر أنه لو آجره من البائع قال صاحب الهداية : الإقدام على الإجارة بعد البيع دل على أنهما قصدا بالبيع الرهن لا البيع فلا يحل للمشتري الانتفاع به ا هـ ، واعترضه في نور العين بأن دلالة ذلك على قصد حقيقة البيع أظهر . قلت : وفيه نظر ، فإن العادة الفاشية قاضية بقصد الوفاء كما في وضع الربح على الثمن ولا سيما إذا كانت الإجارة من البائع مع الربح أو نقص الثمن . ( قوله : لأن المواعيد قد تكون لازمة ) قال في البزازية في أول كتاب الكفالة إذ كفل معلقا بأن قال : إن لم يؤد فلان فأنا أدفعه إليك ونحوه يكون كفالة لما علم أن المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة فإن قوله أنا أحج لا يلزم به شيء ولو علق وقال إن دخلت الدار فأنا أحج يلزم الحج .

( قوله : بزيادة وفي الظهيرة إلخ ) يعني أن ابن ملك أقره أيضا وزاد عليه قوله وفي الظهيرية إلخ أي مقترنا بهذه [ ص: 278 ] الزيادة فلفظ زيادة مصدر وما بعده جملة أريد بها لفظها في محل نصب مفعول المصدر .

( قوله : يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة ) فيصير بيع الوفاء كأنه شرط في العقد فيأتي فيه خلاف أنه رهن أو بيع فاسد أو بيع صحيح في بعض الأحكام ، وقدمنا في البيع الفاسد ترجيح قولهما بعدم التحاق الشرط المتأخر عن العقد به . ( قوله : ولم يذكر أنه في مجلس العقد أو بعده ) أي فيفهم أنه لا يشترط له المجلس ، وفي جامع الفصولين اختلف فيه المشايخ ، والصحيح أنه لا يشترط ا هـ ، ومثله في البزازية . ( قوله : ولو باعه ) أي البائع ، وقوله توقف إلخ أي على القول بأنه رهن ، وهل يتوقف على بقية الأقوال المارة ، محل تردد . ( قوله : فللبائع أو ورثته حق الاسترداد ) أي على القول بأنه رهن ، وكذا على القولين القائلين بأنه بيع يفيد الانتفاع به فإنه لا يملك بيعه كما قدمناه . ( قوله : وأفاد في الشرنبلالية إلخ ) ذكره بحثا وقوله نظرا لجانب الرهن يفيد أنه لا يخالف ما قدمناه عن ابن الشلبي فافهم ، وهذا البحث مصرح به في البزازية حيث قال في القول الأول إنه رهن حقيقة ، باع كرمه وفاء من آخر وباعه المشتري بعد قبضه من آخر باتا وسلمه وغاب فللبائع الأول استرداده من الثاني ; لأن حق الحبس وإن كان للمرتهن ، لكن يد الثاني مبطلة فللمالك أخذ ملكه من المبطل فإذا حضر المرتهن أعاد يده فيه حتى يأخذ دينه ، وكذا إذا مات البائع والمشتري الأول والثاني فلورثة البائع الأول الأخذ من ورثة المشتري الثاني ولورثة المرتهن إعادة يدهم إلى قبض دينه ا هـ . ( قوله : لا يلزم الأجر إلخ ) أفتى به في الحامدية تبعا للخيرية فإنه قال في الخيرية : ولا تصح الإجارة المذكورة ولا تجب فيها الأجرة على المفتى به سواء كانت بعد قبض المشتري الدار أم قبله . مطلب باع داره وفاء ثم استأجر

قال في النهاية : سئل القاضي الإمام الحسن الماتريدي عمن باع داره من آخر بثمن معلوم بيع الوفاء وتقابضا ثم استأجرها من المشتري مع شرائط صحة الإجارة وقبضها ومضت المدة هل يلزمه الأجر فقال لا ; لأنه عندنا رهن والراهن إذا استأجر الرهن من المرتهن لا يجب الأجر ا هـ . وفي البزازية : فإن أجر المبيع وفاء من البائع ، فمن جعله فاسدا قال لا تصح الإجارة ولا يجب شيء ، ومن جعله رهنا كذلك ، ومن أجازه جوز الإجارة من البائع وغيره وأوجب الأجرة ، وإن آجره من البائع قبل القبض . أجاب صاحب الهداية أنه لا يصح ، واستدل بما لو آجر عبدا اشتراه قبل قبضه أنه لا تجب الأجرة ، وهذا في البات فما ظنك بالجائز ا هـ ، فعلم به أن الإجارة قبل التقابض لا تصح على قول من الأقوال الثلاثة ا هـ ما في الخيرية . وفيها أيضا : وأما إذا آجره المشتري وفاء بإذن البائع فهو كإذن الراهن للمرتهن بذلك ، وحكمه أن الأجرة للراهن وإن كان بغير إذنه يتصدق بها أو يردها على الراهن المذكور وهو أولى صرح به علماؤنا ا هـ . قلت : وإذا آجره بإذنه يبطل الرهن كما ذكره في حاشيته على الفصولين .

( قوله : ولو للبناء وحده ) أي ولو كان البيع وفاء للبناء وحده كالقائم في الأرض المحتكرة . ( قوله : فهي صحيحة ) أي بناء على القول بجواز البيع كما علمت [ ص: 279 ] فإنه يملك الانتفاع به ، وقد علمت ترجيح القول بأنه رهن وأنه لا تصح إجارته من البائع . ( قوله : لازمة للبائع ) اللام بمعنى على : أي على البائع ، أو للتقوية لكن العامل اسم فاعل فهي زائدة . ( قوله : وعليه ) أي على القول بصحة الإجارة . ( قوله : بلزوم أجر المثل ) هذا مشكل ، فإن من آجر ملكه مدة ثم انقضت وبقي المستأجر ساكنا لا يلزمه أجرة إلا إذا طالبه المالك بالأجرة فإذا سكن بعد المطالبة يكون قبولا للاستئجار كما ذكروه في محله ، وهذا في الملك الحقيقي فما ظنك في المبيع وفاء مع كون المستأجر هو البائع ، نعم قالوا بلزوم الأجرة في الوقف ومال اليتيم والمعد للاستغلال ولعل ما ذكره مبني على أنه صار معدا للاستغلال بذلك الإيجار كما يشير إليه قوله ويسمونه بيع الاستغلال ، وفيه نظر فليتأمل . وعلى كل فهذا مبني على خلاف الراجح كما علمت . ( قوله : واختلف في المنقول ) قال في البزازية بعد كلام : ولهذا لم يصح بيع الوفاء في المنقول وصح في العقار باستحسان بعض المتأخرين . ثم قال في موضع آخر : وفي النوازل جوز الوفاء في المنقول أيضا ا هـ . والظاهر أن الخلاف فيه على القول بجواز البيع كما يفيده قوله وصح في العقار إلخ ، أما على القول بأنه رهن فينبغي عدم الخلاف في صحته . ( قوله : القول لمدعي الجد والبتات ) لأنه الأصل في العقود .

( قوله : إلا بقرينة ) هي ما يأتي من نقصان الثمن كثيرا . ( قوله : أن القول لمدعي الوفاء ) في جامع الفصولين برمز شيخ الإسلام برهان الدين : ادعى البائع وفاء والمشتري باتا أو عكسا ، فالقول لمدعي البات ، وكنت أفتي في الابتداء أن القول لمدعي الوفاء ، وله وجه حسن إلا أن أئمة بخارى هكذا أجابوا فوافقتهم ا هـ . وفي حاشيته للرملي بعد كلام نقله عن الخانية وغيرها ، قال فظهر به وبقوله كنت أفتي إلخ أن المتعمد في المذهب أن القول لمدعي البات منهما وأن البينة بينة مدعي الوفاء منهما . مطلب قاضي خان من أهل التصحيح والترجيح

وقد ذكر المسألة في جواهر الفتاوى وذكر فيها اختلافا كثيرا واختلاف تصحيح ، ولكن عليك بما في الخانية فإن قاضي خان من أهل التصحيح والترجيح ا هـ ، وبهذا أفتى في الخيرية أيضا . قلت : لكن قوله هنا استحسانا يقتضي ترجيح مدعي الوفاء فينبغي تقييده بقيام القرينة ثم راجعت عبارة الملتقط فرأيته ذكر الاستحسان في مسألة الاختلاف في البينة ، فإنه قال في الشهادات : وإن ادعى أحدهما بيعا باتا والآخر بيع الوفاء وأقاما البينة كانوا يفتون أن البات أولى ثم أفتوا أن بيع الوفاء أولى وهذا استحسان ا هـ ، ولا يخفى أن كلام الشارح في الاختلاف في القول مع أنه في الملتقط قال في البيوع : لو قال المشتري اشتريته باتا وقال البائع بعته بيع الوفاء فالقول قول من يدعي البتات ، وكان يفتي فيما مضى أن القول قول الآخر وهو القياس ا هـ ، فتحصل من عبارتي الملتقط أن الاستحسان في الاختلاف في البينة ترجيح بينة الوفاء وفي الاختلاف في القول ترجيح قول مدعي البتات ، وهذا الذي حرره الرملي فيما مر فتدبر ، وبه ظهر أن ما ذكره الشارح سبق قلم فافهم .

( قوله : ولو قال البائع إلخ ) هذه العبارة بعينها ذكرها في الملتقط عقب عبارته التي ذكرناها عنه في البيوع [ ص: 280 ] وهي تفيد تقييد الاستحسان ، وهو كون القول لمدعي البتات بما إذا لم تقم القرينة على خلافه ، وهذا مؤيد لما بحثناه آنفا ولكن في التعبير مساهلة ، فإنه كان ينبغي أن يقول ولو قال المشتري اشتريت باتا إلخ ; لأنه هو الذي يدعي البتات عند نقصان الثمن كثيرا بخلاف البائع . ( قوله : إلا أن يدل على الوفاء بنقصان الثمن كثيرا ) وهو ما لا يتغابن فيه الناس جامع الفصولين . قلت : وينبغي أن يزاد هنا ما مر في الوعد بالوفاء بعد البيع من أنه لو وضع على المال ربحا يكون ظاهرا في أنه رهن ، وما قاله صاحب الهداية من أن الإقدام على الإجارة بعد البيع دل على أنهما قصدا بالبيع الرهن لا البيع . ( قوله : إلا أن يدعي ) أي مع البرهان . ( قوله : وفي الأشباه إلخ ) المقصود من هذه العبارة بيان حكم العرف العام والخاص ، وأن العام معتبر ما لم يخالف نصا ، وبه يعلم حكم بيع الوفاء وبيع الخلو لابتنائهما على العرف . ( قوله : بالنصف ) أي نصف ما ينسجه أجرة على النسج . ( قوله : ثم نقل ) أي صاحب الأشباه . ( قوله : والفتوى على جواب الكتاب ) أي المبسوط للإمام محمد وهو المسمى بالأصل ; لأنه مذكور في صدر عبارة الأشباه أفاده ط .

( قوله : للطحان ) أي لمسألة قفيز الطحان ، وهي كما في البزازية أن يستأجر رجلا ليحمل له طعاما أو يطحنه بقفيز منه فالإجارة فاسدة ، ويجب أجر المثل لا يتجاوز به المسمى . ( قوله : لأنه منصوص ) أي عدم الجواز منصوص عليه بالنهي عن قفيز الطحان ودفع الغزل إلى حائك في معناه . قال البيري : والحاصل أن المشايخ أرباب الاختيار اختلفوا في الإفتاء في ذلك . قال في العتابية : قال أبو الليث النسيج بالثلث والربع لا يجوز عند علمائنا ، لكن مشايخ بلخ استحسنوه وأجازوه لتعامل الناس ، قال وبه نأخذ . قال السيد الإمام الشهيد : لا نأخذ : باستحسان مشايخ بلخ وإنما نأخذ بقول أصحابنا المتقدمين ; لأن التعامل في بلد لا يدل على الجواز ما لم يكن على الاستمرار من الصدر الأول فيكون ذلك دليلا على تقرير النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك فيكون شرعا منه ، فإذا لم يكن كذلك لا يكون فعلهم حجة إلا إذا كان كذلك من الناس كافة في البلدان كلها فيكون إجماعا والإجماع حجة ، ألا ترى أنهم لو تعاملوا على بيع الخمر والربا لا يفتى بالحل ا هـ . ( قوله : وفيها ) أي في البزازية وهو من كلام الأشباه . ( قوله : فرارا من الربا ) لأن صاحب المال لا يقرض إلا بنفع والمستقرض محتاج فأجازوا ذلك لينتفع المقرض بالمبيع وتعارفه الناس ، لكنه مخالف للنهي عن بيع وشرط ، فلذا رجحوا كونه رهنا . ( قوله : فأقول على اعتباره إلخ ) قدمنا الكلام على مسألة الخلو أول البيوع فراجعه . ( قوله : وكذا أقول إلخ ) [ ص: 281 ] قدمنا أيضا هناك الكلام على هذه المسألة ، وذكرنا أيضا عن الحموي أن ما نقله عن واقعات الضريري ليس فيه لفظ الخلو ، وبسطنا الكلام هناك فراجعه فإنه تكفل بالمقصود ، والحمد لله ذي الفضل والجود .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث