الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 91 ] وصبر لوجوده ، [ ص: 92 ] ولبلده ولو صاحبه ، ومنع منه للتوثق ، ولا رد له : [ ص: 93 - 94 ] كإجازته بيعه معيبا زال ، وقال أجزت لظن بقائه : [ ص: 95 ] كنقرة صيغت ، وطين لبن ، وقمح طحن ، وبذر زرع

التالي السابق


( و ) إذا غصب مثليا في إبانه وفات وانعدم المثلي بفوات إبانه ( صبر ) المغصوب منه ( لوجوده ) أي المثلي في إبانه في العام القابل عند ابن القاسم فيها فليس له طلب الغاصب بمثله قبل إبانه . وقال أشهب له ذلك . ابن عرفة لو فقد المثلي حين طلبه فقال ابن القاسم ليس عليه إلا مثله اللخمي أراد أنه يصبر حتى يوجد أشهب يخير الطالب في الصبر أو [ ص: 92 ] القيمة ( و ) إذا غصب مثليا في بلد وانتقل الغاصب لبلد آخر ولقيه المغصوب منه فيه صبر وجوبا حتى يرجع الغاصب ( لبلده ) أي الغصب إن لم يكن المغصوب مع الغاصب في البلد الذي انتقل إليه ، بل ( ولو صاحبه ) أي المغصوب الغاصب في البلد الذي انتقل إليه فلا يلزمه دفعه فيه عند ابن القاسم لقوله لا يلزمه إلا مثله في بلد الغصب . وأشار بولو إلى قول أشهب يخير المغصوب منه بين أخذه فيه أو في مكان الغصب ، وسواء كان البلد الذي هو فيه قريبا من بلد الغصب أو بعيدا منه وهو كذلك عند ابن القاسم ومن وافقه .

" ق " فيها لمالك رضي الله تعالى عنه وإن لقيه ربه بغير البلد الذي غصبه فيه فلا يقضى عليه هناك بمثله ولا قيمته ، وإنما له عليه مثله بموضع غصبه فيه في الذخيرة نقل المغصوب تشعبت فيه المذاهب واضطربت فيه الآراء وتباينت بناء على ملاحظة أصول وقواعد ، منها أن الغاصب لا ينبغي أن يغرم كلفة النقل ، لأن ماله معصوم كمال المغصوب منه ، وفي المجموعة روى ابن القاسم عن مالك رضي الله تعالى عنهما في الطعام يسرق فيجده ربه بغير بلد فليس له أخذه ، وإنما له أن يأخذ الغاصب أو السارق بمثله في موضع سرقته أو غصبه . ابن القاسم لو اتفقا على أخذه بعينه أو مثله بموضع نقله أو يأخذ فيه ثمنا جاز بمنزلة بيع طعام القرض قبل قبضه ولو لم يكن الطعام معه ، فقال ابن القاسم يصبر لقدومه بلد الغصب ليغرمه مثله . ابن عرفة وفي غير الطعام طريقان . ابن رشد سمع ابن القاسم نقله من بلد لآخر فوت في الرقيق والعرض لا الحيوان .

( و ) إذا لقي المغصوب منه الغاصب بغير بلد الغصب ومعه المغصوب ( منع ) بضم فكسر الغاصب ( من ) أن يتصرف بنحو بيع الـ ( هـ ) أي المغصوب المثلي ( للتوثق ) على الغاصب للمغصوب منه برهن أو ضامن اتفاقا " ق " أصبغ إن كان البلد بعيدا فالقول ما قاله ابن القاسم ، ويتوثق لرب الطعام بحقه . ابن عرفة من لقي من غصبه بغير بلد غصبه والطعام معه فقال ابن الحاجب لا خلاف أن الغاصب يمنع منه حتى يتوثق منه . ( و ) إن طلب المغصوب منه من الغاصب رد المثلي لبلد غصبه ليأخذه بعينه ف ( لا رد له ) [ ص: 93 ] ابن عرفة معروف المذهب أنه ليس لربه جبر الغاصب على رده لبلده ، وأجاب ابن رشد عمن أكرى ملاحا على حمل تين من إشبيلية إلى سبتة فحمله إلى سلا يغرم الملاح مثل التين بإشبيلية ، وحمله إلى سبتة فقيل له أفتى غيرك بوجوب رد الملاح إلى سبتة وهو في ضمانه حتى يصل إليها فقال ذكر هذا ابن حبيب ، وما قلته هو قول ابن القاسم .

( تنبيهان )

الأول : تت قوله ولا رد له مستغنى عنه بقوله وصبر لبلده .

الثاني : الشارح يحتمل أن المصنف أراد بقوله ولا رد له أن المغصوب منه مثلي ولم يوجد مثله وحكم له بقيمته ثم وجد المثل فلا يرد له لأنه حكم مضى ، قال وإنما يأتي هذا على قول أشهب وهو خلاف قول المغيرة من غصب خشبة من عدن وأوصلها لجدة بمائة دينار فلربها تكليفه ردها أو أخذها بعينها ا هـ تت فيه نظر لأن كلام المصنف في المثلي والخشبة من المقوم . طفي الشارح صدر بقوله يحتمل أن يريد أن الغاصب إذا حكم عليه بالقيمة لعدم المثل على القول بذلك ثم وجد المثل فإنه لا رد له لأنه حكم مضى ، ثم ذكر الاحتمال الذي قرر به تت ، ثم قال وهو خلاف قول المغيرة من غصب خشبة من عدن وأوصلها لجدة بمائة دينار فلربها أن يكلفه بردها أو أخذها بعينها . فقال تت وفيه نظر لأن كلام المصنف من المثلي والخشبة من المقوم . ا هـ . وتنظيره في كلام الشارح فيه نظر ، لأنه قرر كلام المصنف بالمثلي كما قرره تت ، ونصه ويحتمل أن يريد أنه ليس له أن يلزم الغاصب أن يرد المثلي إلى بلد الغصب ا هـ .

ثم ذكر بعد ذلك خلاف المغيرة وإن كان كلامه في المقوم ، وبهذا تعلم ما في قول تت ومثل له بمثال لأنه لم يمثل للاحتمال الذي ذكره . ولما ذكر الشارح الاحتمالين قال ويحتمل غير ذلك ، وأنت إذا تأملت كلام الأئمة تأمل تحقيق ظهر لك أن قول المصنف ولا رد له هنا ، وإنما محله عند ذكر المقوم ، إذ لا معنى له هنا لأنه إذا كان ليس له أخذه فكيف يتوهم أن له أن يلزمه برده حتى يحتاج إلى نفيه ، وكيف يخالف المغيرة [ ص: 94 ] فيه ، ولذا صرح تت بأنه مستغنى عنه بقوله وصبر لبلده . وفي المقوم ذكره ابن عرفة فقال ومعروف المذهب أنه ليس لربه جبر الغاصب على رده لبلد الغصب وللمغيرة لمن نقل خشبة من عدن إلى آخر ما تقدم . وهكذا فرض المسألة ابن التلمساني في شرح الجلاب ، وكذا غيره من أئمة المذهب ، وذكرها المصنف في معرض المثلي في توضيحه ومختصره تبع فيه ابن عبد السلام إلا أنهما لم يصرحا بفرضها في المثلي ، فلعل ابن عبد السلام ذكرها في معرض الكلام على المثلي على سبيل الاستطراد ، بخلاف المصنف في توضيحه ، فإنه لما تكلم على المثلي قال فرع فلو أراد المغصوب منه تكليف الغاصب برد شيئه إلى مكان الغصب فليس له ذلك على المشهور خلافا للمغيرة . ا هـ . فلفظ فرع يدل على أن كلامه في المثلي ، وجرى على ذلك في مختصره مع أنه نقل خلاف المغيرة في الخشبة كما تقدم ، وبهذا يظهر لك أن تقرير الشراح بالمثلي لا سلف لهم فيه ، بل مجرد اغترار بظاهر كلامه والله الموفق ، وسلمه البناني .

وشبه في عدم الرد فقال ( كإجازته ) بالزاي ، أي إمضاء المغصوب منه من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله قوله ( بيعه ) أي الغاصب من إضافة المصدر لفاعله أيضا ، ومفعوله قوله مغصوبا ( معيبا ) بعيب قديم سابق على غصبه ( زال ) عيبه عند المشتري من الغاصب ولم يعلم المغصوب منه بزواله حين إجازته بيعه ، ثم علم به وأراد رد بيع الغاصب ( وقال ) المغصوب منه إنما ( أجزت ) بيعه ( لظن ) ي ب ( بقائه ) أي العيب فلا رد له لتفريطه في عدم البحث عنه قبل إجازة بيعه .

" ق " فيها من غصب أمة بعينها بياض فباعها ثم ذهب البياض عند المبتاع وأجاز ربها بيعها ، ثم علم بذهاب البياض فقال إنما أجزت البيع ولم أعلم بذهابه وأما الآن فلا أجيزه فلا يلتفت إلى قوله ولزمه البيع ، وقد قال مالك " رضي الله عنه " في المكتري يتعدى المسافة فتضل الدابة فيغرم قيمتها ثم توجد فهي للمكتري ولا شيء لربها فيها .

أبو الحسن انظر قوله لو ذهب البياض عند المبتاع فمفهومه لو ذهب عند الغاصب لكان [ ص: 95 ] الحكم خلاف هذا ابن يونس بعض الفقهاء لو ذهب عند الغاصب وأجاز البيع لانبغى أن له التكلم لوقوع البيع على غير الصفة التي يعرفها فيقول إنما أجزت البيع على ما كنت أعرف . ابن يونس يقول إنما أجزت بيع جارية عوراء بهذا الثمن ولو علمت أن بياضها قد زال قبل بيعها ما بعتها بهذا الثمن . وأما التي بيعت عوراء فقد بيعت على ما كان يعرف فقد رضي بتسليمها على ذلك الحال فلا حجة له . ابن يونس يحتمل أن يقال لا حجة في الوجهين لأنه لو شاء استثبت ولم يعجل وهو حجة مالك " رضي الله عنه " في الأولى . عبد الحق لا حجة له في الوجهين ، وقول مالك " رضي الله عنه " لو شاء لم يعجل يعم الوجهين .

وشبه في عدم تسلط المغصوب منه على أخذ عين المغصوب المعلوم من قوله ولبلده فقال ( كنقرة ) بضم النون وسكون القاف ، أي قطعة مسبوكة من ذهب أو فضة وقبل سبكها تسمى تبرا ( صيغت ) حليا بعد غصبها فليس لربها أخذها مصوغة عند ابن القاسم لفواتها بالصياغة ، وإنما له مثلها وزنا وصفة . " ق " ابن يونس لو غصبه سويقا فلته فإنما عليه مثله ، ولا يجوز أن يتراضيا أن يأخذه ويعطيه مثل ما لته به من سمن وعسل لأنه تفاضل بين الطعامين ، وكذلك لو ضرب الفضة دراهم أو صاغها فلا يجوز له أخذها ويعطيه أجرته للتفاضل بينهما .

( و ) ك ( طين لبن ) بضم اللام وكسر الموحدة مشددة أي ضرب لبنا بعد غصبه فليس لربه أخذه لفواته ، وإنما له مثل طينه إن علم قدره وإلا فقيمته ( و ) ك ( قمح ) غصب و ( طحن ) بضم فكسر فليس لربه أخذه لفواته بطحنه إنما له مثله عند ابن القاسم في المدونة وغيرها ( و ) ك ( بذر ) بفتح فسكون منونا ( زرع ) بضم فكسر ، أي طرح على الأرض للنبات بعد غصبه فليس لربه إلا مثله ، فيها لمالك " رضي الله عنه " إن عمل الغاصب من الخشبة بابا أو غصب ترابا فعمل منه بلاطا أو غصب حنطة فزرعها وحصل منها حب كثير أو غصب سويقا فلته بسمن أو غصب فضة فصاغها حليا أو ضربها دراهم فعليه في هذا كله مثل ما غصب في صفته ووزنه وكيله أو القيمة فيما لا يكال ولا يوزن ، وكذلك [ ص: 96 ] في السرقة . ابن القاسم من غصب قمحا فطحنه ضمن مثله ولا يمكن رب القمح من أخذ الدقيق . وقال أشهب له أخذه واتفق على أنه إن طحن القمح سويقا ولته فليس له أخذه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث