الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( ولو كفل بأمره ) أي بأمر المطلوب بشرط قوله عني أو علي أنه علي وهو غير صبي وعبد محجورين ابن ملك رجع عليه ( بما أدى ) [ ص: 315 ] إن أدى بما ضمن وإلا فيما ضمن ، وإن أدى أردأ لملكه الدين بالأداء فكان كالطالب ، وكما لو ملكه بهبة أو إرث عيني ( وإن بغيره لا يرجع ) لتبرعه إلا إذا أجاز في المجلس فيرجع عمادية ، وحيلة الرجوع بلا أمر يهبه الطالب الدين ويوكله بقبضه ولوالجية .

التالي السابق


( قوله : ولو كفل بأمره ) شمل الآمر حكما ، كما إذا كفل الأب عن ابنه الصغير مهر امرأته ثم مات الأب وأخذ من تركته كان للورثة الرجوع في نصيب الابن ; لأنه كفالة بأمر الصبي حكما لثبوت الولاية ، فإن أدى بنفسه ، فإن أشهد رجع وإلا لا كذا في نكاح المجمع ، وكما لو جحد الكفالة فبرهن المدعي عليها بالأمر وقضى على الكفيل فأدى فإنه يرجع وإن كان متناقضا لكونه صار مكذبا شرعا بالقضاء عليه ، كذا في تلخيص الجامع الكبير نهر ، وقدمنا قريبا عند قول الشارح ولو فضوليا أن إجازة المطلوب قبل قبول الطالب بمنزلة الأمر بالكفالة ، ونقله أيضا في الدر المنتقى عن القهستاني عن الخانية ، وتأتي الإشارة إليه في كلام الشارح قريبا .

( قوله : أي بأمر المطلوب ) فلو بأمر أجنبي فلا رجوع أصلا ففي نور العين عن الفتاوى الصغرى : أمر رجلا أن يكفل عن فلان لفلان فكفل وأدى لم يرجع على الآمر ا هـ .

( قوله : أو على أنه علي ) أي على أن ما تضمنه يكون علي .

قال في الفتح : فلو قال اضمن الألف التي لفلان علي لم يرجع عليه عند الأداء لجواز أن يكون القصد ليرجع أو لطلب التبرع فلا يلزم المال ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ا هـ لكن في النهر عن الخانية علي كعني ، فلو قال اكفل لفلان بألف درهم علي أو انقده ألف درهم علي أو اضمن له الألف التي علي أو اقضه ماله علي ونحو ذلك رجع بما دفع في رواية الأصل .

وعن أبي حنيفة في المجرد إذا قال لآخر اضمن لفلان الألف التي له علي فضمنها وأدى إليه لا يرجع ا هـ فعلم أن ما في الفتح على رواية المجرد ، وقد جزم في الولوالجية بالرجوع ، وإنما حكى الخلاف في نحو اضمن له ألف درهم إذا لم يقل عني أو هي له علي ونحوه فعندهما لا يرجع إلا إذا كان خليطا .

وعند أبي يوسف يرجع مطلقا ، ومثله في الذخيرة ، وكذا في كافي الحاكم .

قال في النهر : وأجمعوا على أن المأمور لو كان خليطا رجع وهو الذي في عياله من والد أو ولد أو زوجة أو أجير والشريك شركة عنان كذا في الينابيع .

وقال في الأصل : والخليط أيضا الذي يأخذ منه ويعطيه ويداينه ويضع عنده المال ، والظاهر أن الكل يعطي لهم حكم الخليط ، وتمامه فيه .

قلت : وما استظهره مصرح به في كافي الحاكم .

( قوله : وهو غير صبي إلخ ) قال في جامع الفصولين : الكفالة بأمر إنما توجب الرجوع لو كان الآمر ممن يجوز إقراره على نفسه ، فلا يرجع على صبي محجور ولو أمره ، ويرجع على القن بعد عتقه ا هـ .

قال في البحر : بخلاف المأذون فيهما لصحة أمره وإن لم يكن أهلا لها : أي للكفالة .

( قوله : رجع بما أدى ) شمل ما إذا صالح الكفيل الطالب عن الألف بخمسمائة فيرجع بها لا بألف ; لأنه إسقاط ، أو إبراء كما في البحر : وقال أيضا : إن قوله رجع بما أدى مقيد بما إذا دفع ما وجب دفعه على الأصيل ، فلو كفل عن المستأجر بالأجرة فدفع الكفيل قبل الوجوب لا رجوع له كما في إجارات البزازية ا هـ . [ ص: 315 ]

قلت : ونظيره ما لو أدى الأصيل قبله ، ففي حاوي الزاهدي : الكفيل بأمر الأصيل أدى المال إلى الدائن بعد ما أدى الأصيل ولم يعلم به لا يرجع به ; لأنه شيء حكمي ، فلا فرق فيه بين العلم والجهل كعزل الوكيل ا هـ أي بل يرجع على الدائن .

( قوله : إن أدى بما ضمن ) الأولى حذف الباء .

( قوله : وإن أدى أردأ ) إن وصلية : أي إن لم يؤد ما ضمن لا يرجع بما أدى بما ضمن كما إذا ضمن بالجيد فأدى الأردأ أو بالعكس .

( قوله : لملكه الدين بالأداء إلخ ) أي يرجع بما ضمن لا بما أدى ; لأن رجوعه بحكم الكفالة ، وحكمها أنه يملك الدين بالأداء فيصير كالطالب نفسه فيرجع بنفس الدين فصار كما إذا ملك الكفيل الدين بالإرث بأن مات الطالب والكفيل وارثه فإنما له عينه ، وكذا إذا وهب الطالب الدين للكفيل فإنه يملكه ويطالب به المكفول بعينه ، وصحت الهبة مع أن هبة الدين لا تصح إلا ممن عليه الدين ، وليس الدين على الكفيل على المختار ; لأن الواهب إذا أذن للموهوب بقبض الدين جاز استحسانا وهنا بعقد الكفالة سلطه على قبضه عند الأداء ، وهذا بخلاف المأمور بقضاء الدين فإنه يرجع بما أدى ; لأنه لم يملك الدين بالأداء ، وتمامه في الفتح .

( قوله : وإن بغيره ) أي وإن كفل بغير أمره لا يرجع .

. ( قوله : إلا إذا أجاز في المجلس ) أي قبل قبول الطالب ، فلو كفل بحضرتهما بلا أمره فرضي المطلوب أولا رجع ، ولو رضي الطالب أولا لإتمام العقد به فلا يتغير قهستاني عن الخانية ، وقدمناه أيضا عن السراج .

( قوله : وحيلة الرجوع بلا أمر إلخ ) عبارة الولوالجية : رجل كفل بنفس رجل ولم يقدر على تسليمه ، فقال له الطالب ادفع إلي ما لي على المكفول عنه حتى تبرأ من الكفالة فأراد أن يؤديه على وجه يكون له حق الرجوع على المطلوب ، فالحيلة في ذلك أن يدفع الدين إلى الطالب ويهبه الطالب ماله على المطلوب ويوكله بقبضه ، فيكون له حق المطالبة فإذا قبضه يكون له حق الرجوع ; لأنه لو دفع المال إليه بغير هذه الحيلة يكون متطوعا ، ولو أدى بشرط أن لا يرجع لا يجوز ا هـ .

ولا يخفى أنه ليس في ذلك كفالة مال بل كفالة نفس فقط ، لكن إذا ساغ له الرجوع بدون كفالة بهذه الحيلة فمع الكفالة أولى ، لكن علمت آنفا أن هبة الطالب الدين للكفيل لا يشترط فيها الإذن بقبضه ; لأن عقد الكفالة يتضمن إذنه بالقبض عند الأداء ، والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين كونها بإذن المطلوب أو بدونه فقول الشارح ويوكله بقبضه غير لازم هنا ، بخلافه في مسألة الولوالجية ; لأنها ليس فيها عقد كفالة بالمال فلذلك ذكر فيها التوكيل بالقبض إذ لا تصح الهبة بدونه .

وأورد أنه إذا دفع دين الأصيل برئ الأصيل من دينه فلا رجوع له عليه إلا إذا دفع قدر الدين من غير تعرض لكونه دين الأصيل أي بأن يدفعه للطالب على وجه الهبة .

قلت : هذا وارد على مسألة الولوالجية ، أما على ما ذكره الشارح من فرض المسألة في الكفيل بلا أمر فلا لما علمت من أن الكفيل يملك الدين بمجرد الهبة ويرجع بعينه على الأصيل فافهم ، نعم ينبغي أن تكون الهبة سابقة على أداء الكفيل وإلا كانت هبة دين سقط بالأداء فلا تصح



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث