الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( و ) أما ( كفالة المال ) [ ص: 301 ] ف ( تصح ولو ) المال ( مجهولا به إذا كان ) ذلك المال ( دينا صحيحا ) إلا إذا كان الدين مشتركا كما سيجيء ; لأن قسمة الدين قبل قبضه لا تجوز ظهيرية [ ص: 302 ] وإلا في مسألة النفقة المقررة فتصح مع أنها تسقط بموت وطلاق أشباه ، وكأنهم أخذوا فيها بالاستحسان للحاجة لا بالقياس وإلا في بدل السعاية عنده بزازية ، وكأنه ألحق ببدل الكتابة وإلا فهو لا يسقط ; لأنه لا يقبل التعجيز ، فيلغز : أي دين صحيح ولا تصح الكفالة به ، وأي دين ضعيف وتصح به .

( و ) الدين الصحيح ( هو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ) ولو حكما بفعل يلزمه سقوط الدين فيسقط دين المهر بمطاوعتها لابن الزوج للإبراء الحكمي ابن كمال

التالي السابق


مطلب كفالة المال

( قوله : وأما كفالة المال إلخ ) معطوف على قوله وكفالة النفس قال في شرح الملتقى : وزاد بعضهم الكفالة بتسليم المال .

ويمكن دخوله في المال فلا يحتاج إلى جعله قسما ثالثا فتأمل ا هـ .

وهو ظاهر ما في البحر عن التتارخانية له مال على رجل فقال رجل للطالب ضمنت لك ما على فلان أن أقبضه وأدفعه إليك ، قال ليس هذا على ضمان المال أن يدفعه من عنده إنما هو على أن يتقاضاه ويدفعه إليه ، وعلى هذا معاني كلام الناس ، ولو غصب من مال رجل [ ص: 301 ] ألفا فقتله المغصوب منه وأراد أخذها منه فقال رجل لا تقاتله فأنا ضامن لها آخذها وأدفعها إليك لزمه ذلك ، ولو كان الغاصب استهلك الألف وصارت دينا كان هذا الضمان باطلا وكان عليه ضمان التقاضي ا هـ . فهذه الألفاظ لا تكون كفالة بنفس المال بل بتقاضيه ، وهذا إذا لم يذكره معلقا .

ففي جامع الفصولين : قال دينك الذي على فلان أنا أدفعه إليك أنا أسلمه أنا أقبضه لا يكون كفيلا ما لم يتكلم بلفظة تدل على الالتزام .

ثم قال : لو أتى بهذه الألفاظ منجزا لا يصير كفيلا ، ولو معلقا كقوله لو لم يؤد فأنا أؤدي فأنا أدفع يصير كفيلا ا هـ . مطلب كفالة المال قسمان : كفالة بنفس المال وكفالة بتقاضيه ، وقد علم بما مر أن كفالة المال قسمان ، كفالة بنفس المال وكفالة بتقاضيه ، ومن الثاني الكفالة بتسليم عين كأمانة ونحوها كما يأتي ، ومنه أيضا قوله : ولو غصب من مال رجل إلخ ; لأن دراهم الغصب تتعين فيجب رد عينها لو قائمة ، بخلاف ما إذا هلكت ; لأنها تصير دينا فلا تصح الكفالة بدفعها بل يصير كفيلا بالتقاضي ، وبه ظهر الفرق بين المسألتين .

( قوله : فتصح به ) أطلقه فشمل ما إذا كان الأصيل مطالبا به الآن أو لا ، فتصح عن العبد المحجور بما يلزمه بعد العتق باستهلاك أو قرض ويطالب الكفيل الآن ، كما لو فلس القاضي المديون وله كفيل فإن المطالبة تتأخر عن الأصيل دون الكفيل كما في التتارخانية نهر ، وشمل كفالة المال عن الأصيل وعن الكفيل بأن كفل عن الكفيل كفيل آخر بما على الأصيل كما قدمناه أول الباب عن الكافي .

وقال في البحر أطلق صحتها فشمل كل من عليه المال حرا كان أو عبدا مأذونا أو محجورا صبيا أو بالغا رجلا أو امرأة ، مسلما كان أو ذميا وكل من له المال ، لكن في البزازية : الكفالة للصبي التاجر صحيحة ; لأنه تبرع عليه ، وللصبي العاقل غير التاجر روايتان ا هـ .

وذكر الحاكم الشهيد أن الجواز قول أبي يوسف .

وفي التتارخانية : إذا كفل رجل لصبي ، إن كان الصبي تاجرا صح بخطابه وقبوله وإن كان محجورا فإن قبل عنه وليه أو أجنبي وأجاز وليه جاز وإن لم يخاطب ولي ولا أجنبي بل الصبي فقط فعن الخلاف ا هـ .

قلت : والظاهر أن مبنى الخلاف على أنه هل يشترط في الكفالة القبول في المجلس ولو من فضولي .

وعند أبي يوسف لا يشترط ، وسيأتي اختلاف التصحيح ، وقد صرحوا بأنه يصح ضمان الولي مهر الصغيرة وسيأتي تمام الكلام عليه .

( قوله : ولو المال مجهولا ) لابتنائها على التوسع ، وقد أجمعوا على صحتها بالدرك مع أنه لا يعلم كم يستحق من المبيع ، نهر ، ويأتي في المتن أربعة أمثلة للمجهول وفي الفتح وما نوقض به من أنه لو قال كفلت لك بعض مالك على فلان فإنه لا يصح ممنوع ، بل يصح عندنا والخيار للضامن ويلزمه أن يبين أي مقدار شاء ا هـ .

وفي البحر عن البدائع : لو كفل بنفس رجل أو بما عليه وهو ألف جاز وعليه أحدهما أيهما شاء ا هـ ومثله في الكافي .

( قوله : إذا كان ذلك المال دينا صحيحا ) يأتي تفسيره ودخل فيه المسلم فيه ، فتصح الكفالة به كما عزاه الحانوتي إلى شرح التكملة .

ويشترط أيضا أن يكون الدين قائما كما قدمه أول الباب .

( قوله : كما سيجيء ) في قوله ولا لشريك بدين مشترك فهذا دين صحيح لا تصح به الكفالة .

( قوله : لأن قسمة الدين قبل قبضه لا تجوز ) لأنه إما أن يكفل نصفا مقدرا فيكون قسمة الدين قبل قبضه أو نصفا شائعا فيصير كفيلا لنفسه ; لأن له أن يأخذ من المقبوض نصفه [ ص: 302 ] كما في النهر عن المحيط .

( قوله : وإلا في مسألة النفقة المقررة ) ما قبل هذا الاستثناء وما بعده استثناء من صريح قوله إذا كان دينا صحيحا ، وهذا استثناء من مفهومه فإنه يفهم منه أنه إذا كان الدين غير صحيح لا تصح الكفالة ، فقال إلا في مسألة النفقة المقررة فإنها تصح الكفالة بها مع أنها دين غير صحيح لسقوطها بموت أو طلاق ، وهذا إذا كانت غير مستدانة بأمر القاضي ، وإلا فهي دين صحيح لا يسقط إلا بالقضاء أو الإبراء ، والمراد بالمقررة ما قرر منها بالتراضي أو بقضاء القاضي .

وتصح الكفالة أيضا بالنفقة المستقبلة كما يذكره الشارح بعد أسطر مع أنها لم تصر دينا أصلا .

وأما ما قدمه أول الباب من أنها لا تصح بالنفقة قبل الحكم فمحمول على الماضية ; لأنها تسقط بالمضي إلا إذا كانت مقررة بالتراضي أو بقضاء القاضي كما حررناه هناك . ( قوله : وإلا في بدل السعاية ) أي كما إذا أعتق بعضه وسعى في باقيه .

وفي كافي الحاكم : والمستسعى في بعض قيمته بعد ما عتق بمنزلة المكاتب في قول أبي حنيفة لا تجوز كفالة أحد عنه بالسعاية لمولاه ولا بنفسه ، وكذلك المعتق عند الموت إذا لم يخرج من الثلث فتلزمه السعاية ، وأما المعتق على جعل فهو بمنزلة الحر والكفالة للمولى بالجعل عنه وغيره جائزة ا هـ . ( قوله : فيلغز أي دين صحيح إلخ ) فيقال هو بدل السعاية وكذا الدين المشترك كما علمته .

قال في النهر : فإن قلت : دين الزكاة كذلك ولا تصح الكفالة به .

قلت : إنما لم تصح ; لأنه ليس دينا حقيقة من كل وجه ا هـ .

قلت : وفي قوله كذلك نظر ; لأن الدين الصحيح ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ، ودين الزكاة يسقط بالموت وبهلاك المال فلا يرد السؤال من أصله . ( قوله : وأي دين ضعيف ) هو دين النفقة .

( قوله : ولو حكما ) أي ولو كان الإبراء حكما ط . ( قوله : بفعل ) الباء للسببية ط . ( قوله : فيسقط دين المهر ) الأولى فدخل دين المهر الساقط بمطاوعتها ط . ( قوله : للإبراء الحكمي ) لأن تعمدها ذلك قبل الدخول مسقط لمهرها فكأنها أبرأته منه ، لكن بقي أن المهر يسقط منه نصفه بالطلاق قبل الدخول مع أنه لم يوجد من الزوج إبراء أصلا لا حقيقة ولا حكما إذ لا يتصور كون الطلاق قبل الدخول إبراء نصف المهر ; لأنه بطلاقه سقط عنه لا عنها .

وقد يجاب بأن المهر وجب بنفس العقد ، لكن مع احتمال سقوطه بردتها أو تقبيلها ابنه أو تنصفه بطلاقها قبل الدخول ، ويتأكد لزوم تمامه بالوطء ونحوه حتى إنه بعد تأكده بالدخول لا يسقط وإن كانت الفرقة من قبل المرأة كالثمن إذا تأكد بقبض المبيع كما قدمناه في باب المهر ، وقد صرحوا هناك بصحة كفالة ولي الصغيرة بالمهر ، وكذا كفالة وكيل الكبيرة ، ولم يقيدوه بكونه بعد الدخول .

ووجه ذلك والله تعالى أعلم أن احتمال سقوطه أو سقوط نصفه لا يضر ; لأنه بعد السقوط تظهر براءة الكفيل كما لا يضر احتمال سقوط ثمن المبيع باستحقاق المبيع أو برده بخيار عيب أو شرط أو رؤية ، فإن الكفيل به يبرأ من الكفالة مع أن الثمن عند العقد كان دينا صحيحا يصدق عليه أنه لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء : أي لا يسقط إلا بذلك ما لم يعرض له مسقط ناسخ لحكم العقد وهو لزوم الثمن ; لأنه بأحد هذه الأشياء ظهر أن العقد غير ملزم للثمن في حق العاقدين فكذا عقد النكاح يلزم به تمام المهر بحيث لا يسقط إلا بالأداء [ ص: 303 ] أو الإبراء ما لم يعرض له مسقط لكله أو نصفه ; لأنه انعقد من أصله محتملا لسقوطه بذلك المسقط فإذا عرض ذلك المسقط تبين أنه لم يجب من أصله بخلاف سقوطه بالأداء أو الإبراء فإنه مقتصر على الحال .

وبهذا التقرير ظهر أنه لا حاجة إلى ما نقله عن ابن كمال ، فاغتنم ذلك ولله الحمد



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث