الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              منهج النظر المعرفي بين أصول الفقه والتاريخ (الشاطبي وابن خلدون أنموذجا)

              الدكتور / الحسان شهيد

              3- كلية القصدية: (التنـزيل للأحكام/ الاعتبار من الأحداث):

              إن منتهى بعد النظر الأصولي يتجلى في تمثل أحكام الشريعة وفق مواقع الوجود الإنساني، أما في علاقته بالبحث التاريخي فيتوقف على ضرورة أخذ العبرة من الأحداث الأليمة والاتعاظ بما وافق منها الطبيعة الإنسـانية، والعبرة لا تقف عند ذلك فحسب فهي "المقياس الذي يسهل فهم الواقع" [1] ، وذلك هو القصد القرآني من ذكر القصص وحكايات السابقين، فما هي تجليات البعد القصدي عند الشاطبي وابن خلدون؟

              يروم الإمام الشاطبي من دراسته النقدية إخراج الخطاب الأصولي من ضيق الأفق التنظيري الذي طبع المعرفة الأصولية زمنا غير قصير، إلى سعة المجال العملي التنـزيلي، الذي هو الغاية القصوى من دراسة الأدلة وقواعد استنباط [ ص: 131 ] الأحكام، يقول الأستاذ عبد المجيد النجار: "ولعل الإمام الشاطبي انفرد من بين الأصوليين السابقين له، واللاحقين، بأنه كرس مؤلفـه الأصـولي الموافقات، لما هو أقرب إلى الفقه التطبيقي منه إلى منهج الفهم، كما أن مؤلفه -الاعتصام- موجه أيضا هذه الوجهة بما هو مؤلف في البدع وكيفية مقاومتها، لتوفق الحياة إلى الحكم الشرعي القويم" [2] . غير أنه ينبغي التمييز بين بعدين من التطبيق:

              التطبيق التنظيري: أو البعد الاجتهادي، أي التفعيل العلمي للقواعد الأصولية وأدلتها باستفراغ الوسع في استنباط الأحكام الفقهية.

              ثم التطبيق العملي: أو البعد التنـزيلي للأحكام المستنبطة على واقع التكليف، مع مراعاة الأحوال والمقاصد والمآلات.

              ومن دون شك، فإن الغاية من ظهور الفكر الأصولي بقوانينه، وقواعده هي ضبط العمل الفقهي، وتفعيل استنباط الأحكام الفقهية، حتى تستجيب لمتطلبات كل عالم وعصر؛ لأنه إذا كانت الشريعة قد نصت على كليات عامة فإنه في نظره: "قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلا بد من إعمالها، ولا يسع الناس تركها، وإذا ثبت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا في ما لا نص فيه" [3] .

              إلا أن الصورة النمطية التي سار عليها علم الأصول، تخلفت به عما رسم من أجله، فأصبحت كل الأصول عبارة عن مباحث جدلية، وسجالات نظرية [ ص: 132 ] مجردة، تحكمها أمثلة فقهية معدودة لا تطبيقات لأصول الأدلة المدروسة، فانتقل أبو إسحاق بالقواعد الأصولية من هذا الصعيد إلى استثمارها في استنباط الأحكام الشرعية، وهذا ما قرره منذ البداية، حيث قال: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك، فوضعها في أصول الفقـه عارية، والذي يوضـح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له" [4] .

              ويظهر حضور هذا البعد مؤسسا لرؤية الإمام الشاطبي القصدية في الاجتهاد من وجهين:

              الأول: توسعه الواضح في باب الاجتهاد ولواحقه ومتعلقاته، حيث خصص له كتابا ضمن موافقاته، بشكل متفرد عن سابقيه، إضافة إلى دقة النظر واستفاضة التحقيق في مباحثه.

              الثاني: ويتعلق بالوصل العلمي الدقيق بين بعض المسالك الأساسية في تفعيل الاجتهاد، كالنظر المقاصدي، واعتبار المآل.

              أما ابن خـلدون، فإن ما وقف عليه من اضطراب في كتابة التاريخ، ونأي عن مقاصدها جعلته يتحمـس لكتاب يشد إليه المتشوفين إلى معرفة العلل التاريخية والاعتبار منها، يقول، رحمه الله، واصفا تفريط المؤرخين قبله: "...ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها، وأظهر من آيتها، ولا علة [ ص: 133 ] الوقوف عند غايتها، فيبقى الناظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها، مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعـاقبـها باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها.." [5] ، فإغفالهم لهذا القصد الاعتباري والإفادي من الأخبار دفعه إلى تدوين المقدمة: "..فأنشات في التاريخ كتابا رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجابا، وفصلته في الأخبار والاعتبار بابا بابا، وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللا وأسبابا.." [6] . بل أكثر من ذلك يرى ابن خلدون أن من أسباب الكذب في نقل الأخبار الجهل بمقاصد التاريخ والفوائد منه، يتابع قائلا: "ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجـريح، ومنها الذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصـد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب..." [7] .

              - خاتمة:

              لوحظ بعد تقريب النظر المنهجي بين الإمام والعلامة أنهما يشتركان في مسالك البحث الاستقرائي طلبا للكليات الجامعة والقواعد الكبرى المستوعبة، التي يتأسس عليها الخطاب الشرعي وكذا الخطاب التاريخي، وهو منهج استثمر في التأسيس للخطابين، كما استعمل لديهما في تصحيح وتوجيه الأنظار المعرفية المعتبرة ضمن الأخطاء والمزلات التي وقعت عبر تاريخ العلمين. [ ص: 134 ]

              كما بدا أن اضطراب الأنظار في فقه الخطاب الشرعي وكذا التاريخي يستوجب الاستعانة بالعلوم المنظمة والمؤصلة، التي تعيد تلك المعارف إلى رشدها وصحيح مسارها، منهجـا وموضـوعا وغاية، وهو الأمر الذي عمـل عليه كل من الشاطبي في تأصيل الأصول، وابن خلدون في تأصيل وتقعيد علم التاريخ، ولم يسعفهما وجدان تلك الحكم الضوال إلا في منهج البحث الاستقرائي.

              ويظهر من خلال هذا المبحث أن العلوم عند أسلافنا محكومة بغايات معرفية ترسو عند نشدان اليقين العلمي والحقيقة العلمية، وتأهيل الإنسان للعمران البشري، ولم تكن أبحاثهم وكتاباتهم معزولة عن المقاصد الأساسية من البحث والمعرفة، وهذا سر خلود ما أبدعوه رغم فترات الغياب التاريخية التي تلحق مؤلفاتهم أحيانا. [ ص: 135 ]

              التالي السابق


              الخدمات العلمية