الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ. (6) قوله: إن ناشئة الليل : في الناشئة أوجه، أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها، للعبادة، أي: تنهض وترتفع. من نشأت السحابة: إذا ارتفعت. ونشأ من مكانه ونشز: إذا نهض قال:


                                                                                                                                                                                                                                      4365- نشأنا إلى خوص برى نيها السرى وأشرف منها مشرفات القماحد



                                                                                                                                                                                                                                      والثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليل، على أنها مصدر من نشأ، إذا قام ونهض، فتكون كالعافية، قالهما الزمخشري .

                                                                                                                                                                                                                                      الثالث: أنها بلغة الحبشة، نشأ الرجل: أي قام من الليل. قال الشيخ : "فعلى هذا هي جمع ناشئ، أي: قائم". قلت: يعني أنها صفة. [ ص: 518 ] لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة أو فرقة ناشئة، وإلا ففاعل لا يجمع على فاعلة.

                                                                                                                                                                                                                                      الرابع: أن "ناشئة الليل" ساعاته; لأنها تنشأ شيئا بعد شيء. وقيدها ابن عباس والحسن بما كان بعد العشاء، وما كان قبلها فليس بناشئة. وخصصتها عائشة - رضي الله عنها - بمعنى آخر: وهو أن يكون بعد النوم، فلو لم يتقدمها نوم لم تكن ناشئة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وطئا قرأ أبو عمرو وابن عامر بكسر الواو وفتح الطاء بعدها ألف. والباقون بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة "وطئا". وظاهر كلام أبي البقاء يؤذن أنه قرئ بفتح الواو مع المد فإنه قال: "وطاء - بكسر الواو - بمعنى: مواطأة، وبفتحها اسم للمصدر، و"وطئا" على فعل، وهو مصدر وطئ"، فالوطاء مصدر واطأ كقتال مصدر قاتل. والمعنى: أنها أشد مواطأة، أي: يواطئ قلبها لسانها، إن أردت النفس، أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه، إن أردت القيام أو العبادة أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص، والوطء - بالفتح أو الكسر - على معنى: أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل، أو أثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي، من قوله [ ص: 519 ] عليه السلام: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، وعلى كل تقدير فانتصابه على التمييز.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وأقوم حكى الزمخشري : أن أنسا قرأ "وأصوب قيلا" فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي: وأقوم!! فقال: "إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد" وأن أبا سرار الغنوي قرأ "فحاسوا خلال الديار" بالحاء المهملة فقيل له: هي بالجيم. فقال: حاسوا وجاسوا واحد. قلت: له غرض في هاتين الحكايتين، وهو جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل; لأنه تفسير معنى. وأيضا فما بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد. وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يقرئ رجالا إن شجرت الزقوم طعام الأثيم فجعل الرجل يقول: اليتيم. فلما تبرم به قال: طعام الفاجر يا هذا. فاستدل به على ذلك من يرى جوازه. وليس فيه دليل; لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى، فجاء بلفظ مبين.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية