الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2267 ص: وكان من الحجة لهم: أن هذه الآثار التي نهت عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها وفي السبب الذي من أجله كان النهي، فقال قوم: أصحاب الإبل من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول فينجسون بذلك أعطان الإبل، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل لذلك لا لعلة الإبل، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت، وأصحاب الغنم من عادتهم تنظيف مواضع غنمهم وترك البول فيه والتغوط فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك.

                                                هكذا روي عن شريك بن عبد الله أنه كان يفسر هذا الحديث على هذا المعنى.

                                                وقال يحيى بن آدم: ليس من قبل هذه العلة عندي جاء النهي، ولكن من قبل أن الإبل يخاف وثوبها فتعطب من تلاقي حينئذ، ألا ترى أنه يقول: إنها جن ومن جن خلقت، وفي حديث رافع بن خديج ، عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" وهذا فغير مخوف من الغنم ; فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك من فعلها، لا لأن لها نجاسة ليس للغنم مثلها، وأبيحت الصلاة في مرابض الغنم لأنه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل.

                                                حدثني خلاد بن محمد ، عن ابن الثلجي ، عن يحيى بن آدم بالتفسيرين جميعا.

                                                حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عياضا قال: "إنما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل ; لأن الرجل يستتر بها ليقضي حاجته".

                                                فهذا التفسير موافق لتفسير شريك .

                                                [ ص: 144 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 144 ] ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين وهم أهل المقالة الثانية، وأشار بذلك إلى أن الأحاديث المذكورة محمولة على معاني يمنع الاحتجاج بها لما ذهب إليه أهل المقالة الأولى على الإطلاق، وذكر فيها ثلاثة معاني أسند الاثنين عن خلاد بن محمد الواسطي ، عن محمد بن شجاع بن الثلجي -بالثاء المثلثة- البغدادي من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي ، عن يحيى بن آدم بن سليمان القرشي أبي زكرياء الكوفي روى له الجماعة، ذكره أصحابنا في جملة الأئمة الحنفية رحمهم الله، وأسند المعنى الثالث عن فهد بن سليمان ، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عن معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن عياض، ذكره غير منسوب، والظاهر أنه عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، ويحتمل أن يكون عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر القرشي الفهري المدني، نزيل مضر، وثقه ابن حبان، وعلل الخطابي أيضا بالعلة الثانية، وذكر القاضي عياض في "شرح مسلم" العلة الثالثة.

                                                وذكر الخطابي عن بعضهم علة أخرى وهي أن معنى النهي عن الصلاة في أعطان الإبل: أن المراد بذلك ما سهل من الأرض ; لأنها مبوأ الإبل إذ لا تألف الحرونة، ومثل ذلك لا تظهر فيها النجاسة لإثارة ترابها وكثرته واختلاطها به فلا يؤمن كونها فيه.

                                                قال القاضي عياض: وهذا بعيد في الفقه والتأويل.

                                                والصواب ما قاله يحيى بن آدم، لأن ما جاء أنها جن ومن جن خلقت يساعد هذا ; لأنه يدل صريحا أن سبب النهي عن الصلاة في أعطان الإبل هو كونها مخلوقة من الجن ; لأنه - عليه السلام - علل بقوله: "فإنها خلقت من الشياطين"، هذا في لفظ أبي هريرة، رواه ابن ماجه كما ذكرناه.

                                                [ ص: 145 ] وفي رواية أبي داود عن البراء بن عازب: فإنها من الشياطين، فهذا يدل على [أن] الإبل مخلوقة من الجن ; لأن الشياطين من الجن على الصحيح من الأقوال التي ذكرت عن العلماء، وكذا حديث رافع بن خديج يؤيد هذا التأويل.

                                                أخرجه البخاري، وقال: حدثني موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة بن رافع ، عن جده رافع بن خديج قال: "كنا مع النبي - عليه السلام - بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلا وغنما، وكان النبي - عليه السلام - في أخريات الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع إليهم النبي - عليه السلام - فأمر بالقدور فأكفئت ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي - عليه السلام -: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند [عليكم منها] فاصنعوا به هكذا. . . " الحديث.

                                                وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي .

                                                قوله: "أوابد" جمع آبدة وهي التي قد تأبدت أي توحشت ونفرت من الإنس، وقد أبدت تأبد وتأبد من باب نصر ينصر وضرب يضرب.




                                                الخدمات العلمية