الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2197 ص: فمن الحجة عليهم للآخرين أنه قد يجوز أن يكون قوله: "كان خلف الناس" أي كان خلف صفوفهم لا فصل بينه وبينهم، فكان شبه المخالط لهم، فذلك أيضا داخل في معنى ما بان من حديث ابن بحينة، وذلك مكروه عندنا، وإنما يجب أن يصليهما في مؤخر المسجد ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول المسجد فأما أن يصليهما مخالطا لمن يصلي الفريضة فلا.

                                                وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر ، عن ابن أبي ذئب ، عن شعبة، قال: كان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: "يا أيها الناس، ألا تتقون الله، افصلوا بين صلاتكم. قال: وكان ابن عباس لا يصلي الركعتين بعد المغرب إلا في بيته"، فأراد عبد الله بن عباس منهم الفصل بين الفريضة والتطوع.

                                                وذلك الذي أريد في حديث أبي هريرة وابن بحينة وعبد الله بن سرجس - رضي الله عنه -، ونحن نستحب أيضا الفصل بين الفرائض والنوافل بما أمر به رسول الله - عليه السلام - فيما روينا في هذا الباب، ولا نرى بأسا لمن لم يكن ركع ركعتي الفجر حتى جاء المسجد وقد دخل الإمام في صلاة الصبح أن يركعهما في مؤخر المسجد، ثم يمشي إلى مقدمه فيصلي مع الناس، ألا ترى أن ذلك لو كان في ظهر أو عصر أو عشاء لم يكن به بأس ولا يكون فاعل ذلك واصلا بين فريضة وتطوع، فكذلك إذا كان في صبح فلا بأس به ولا يكون فاعله واصلا بين فريضة وتطوع، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

                                                [ ص: 74 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 74 ] ش: هذا جواب عن الحديث المذكور، أي: فمن الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى للجماعة الآخرين وهم أهل المقالة الثانية.

                                                تقريره أن يقال: قد يجوز أن يكون قوله: "كان خلف الناس" أي كان خلف صفوفهم كالمخالط لهم، فنحن أيضا نقول بمنع مثل هذا كما قلنا في حديث مالك بن بحينة، وإنما الواجب أن يصليهما في آخر المسجد ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول المسجد ويختلط بالصفوف، وأما أنه إذا صلاها مخالطا بآخر الصفوف فليس له ذلك ولا يقول به أحد، فبان أن إنكاره - عليه السلام - إنما كان لأجل وصله إياهما بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشيء يسير، وهذا مثل ما نهى من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعا في مكان واحد حتى يتكلم أو يتقدم.

                                                على أنه قد روي ما يدل على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية وهو ما رواه البيهقي من طريق حجاج بن نصير ، عن عباد بن كثير ، عن ليث ، عن عطاء ، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر".

                                                فإن قيل: قد قال البيهقي: إن هذه الزيادة لا أصل لها، وحجاج وعباد ضعيفان.

                                                قلت: قال عثمان بن شيبة عن يحيى بن معين: كان شيخا صدوقا. يعني الحجاج، وأما عباد فقد وثقه يحيى بن معين فقال: عباد الرملي الخواص ثقة، والله أعلم.

                                                قوله: "وقد حدثنا ابن مرزوق ... " إلى آخره، ذكر هذا تأييدا للتأويل الذي ذكره في حديث عبد الله بن سرجس - رضي الله عنه - ; لأن قول ابن عباس: "افصلوا بين صلواتكم" يدل على أن المنع الذي ذكره أهل المقالة الأولى مستدلين بالأحاديث [ ص: 75 ] المذكورة إنما هو إذا كان واصلا بين الفريضة والتطوع، وأما إذا كان فاصلا بينهما فلا يمنع من ذلك ; لأن معنى قوله: "افصلوا بين صلاتكم" فرقوا بين الفريضة والتطوع لئلا يشتبه على الجاهل أن التطوع من الفرض، ولأجل هذا المعنى كان عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - يصلي ركعتي المغرب في بيته ليكون فاصلا بين الفرض والسنة، وهذا المعنى هو المراد في حديث أبي هريرة ومالك بن بحينة وعبد الله بن سرجس - رضي الله عنهم -.

                                                وأخرج الأثر المذكور عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب ، عن شعبة بن دينار القرشي الهاشمي مولى ابن عباس، فيه مقال، فعن مالك: ليس بثقة. وعن النسائي: ليس بالقوي. وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، وروى له ابن ماجه حديثا واحدا في الغسل من الجنابة.




                                                الخدمات العلمية