الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2186 ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن ذلك الحديث الذي احتجوا به أصله عن أبي هريرة لا عن النبي - عليه السلام -، هكذا رواه الحفاظ، عن عمرو بن دينار .

                                                [ ص: 61 ] حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة بذلك ولم يرفعه.

                                                فصار أصل هذا الحديث عن أبي هريرة لا عن النبي - عليه السلام -، وقد خالف أبا هريرة في ذلك جماعة من أصحاب رسول الله - عليه السلام -، وسنذكر ما روي عنهم من ذلك في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى.

                                                حدثنا فهد، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث ، عن عبد الله بن عياش بن عباس القتباني ، عن أبيه، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت لها".

                                                فقد يجوز أن يكون أراد بهذا النهي أن يصلى غيرها في موطنها الذي تصلى فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع، فيكون النهي من أجل ذلك لا من أجل أن تصلى في آخر المسجد ثم يتنحى الذي يصليها من ذلك المكان فيخالط الصفوف ويدخل في الفريضة.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين -وهم أهل المقالة الثانية- على أهل المقالة الأولى: أن أصل حديث أبي هريرة الذي احتجوا به عن نفس أبي هريرة يعني هو موقوف عليه وليس بمرفوع إلى النبي - عليه السلام - ; لأن الحفاظ من الرواة الأثبات رووه عن عمرو بن دينار ، عن أبي هريرة موقوفا عليه، فإذا كان موقوفا عليه ولم يكن من النبي - عليه السلام - وقد خالف أبا هريرة فيه جماعة من الصحابة - عليه السلام - على ما يجيء بيانه في آخر الباب، فإذن لا تقوم به حجة لأهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.

                                                ثم بين طريق الوقف بما أخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار ، عن أبي عمر الضرير وهو حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، وهو يروي عن الحافظين الكبيرين حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وكلاهما يرويان عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة بذلك ولم يرفعاه.

                                                [ ص: 62 ] وقال البزار في "مسنده": حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، نا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة موقوفا.

                                                قلت: وكذا رواه أيوب ، عن عمرو بن دينار موقوفا.

                                                فقال البزار: حدثنا أحمد بن مالك القسري، نا عبد الوارث بن سعيد ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة موقوفا.

                                                ورواه عبد الوهاب الثقفي عن أيوب موقوفا.

                                                فقال البزار: حدثنا به محمد بن المثنى، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد، نا أيوب ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة موقوفا.

                                                وكذا رواه سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار موقوفا.

                                                وقال البزار: نا أحمد بن عبدة، نا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".

                                                فهذا كما رأيت قد رواه موقوفا مثل هؤلاء الحفاظ، وهم: حماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وأيوب السختياني وسفيان بن عيينة، كلهم قد رووه عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة، ولم يرفعوه.

                                                فإن قيل: قد رواه الجماعة غير البخاري: مرفوعا، وقال الترمذي: الرفع أصح.

                                                قلت: يكفيك أن البخاري لم يخرجه لأجل هذا الاختلاف ; إذ لو كان الرفع فيه صحيحا لأخرجه، والحفاظ المذكورون أوقفوه فالمرجع إليه أولى.

                                                ولما كان ها هنا إيراد من أهل المقالة الأولى بما رواه أبو سلمة ، عن أبي هريرة ذكره ها هنا ليجيب عنه، تقريره أن يقال: إنكم قد دفعتم الاحتجاج بما رواه عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن أبي هريرة بأنه موقوف عليه، فما تقولون فيما رواه أبو سلمة ، عن أبي هريرة فإنه مرفوع بلا خلاف.

                                                [ ص: 63 ] أخرجه الطحاوي: عن فهد بن سليمان ، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ، عن الليث بن سعد ، عن عبد الله بن عياش -بالياء المشددة آخر الحروف وبالشين المعجمة- ابن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القتباني -بكسر القاف وسكون التاء المثناة من فوق وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف نون- عن أبيه عياش بن عباس القتباني الحميري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا حسن، نا ابن لهيعة، نا عياش بن عباس القتباني ، عن أبي تميم الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت".

                                                وتقرير الجواب: هو ما أشار إليه بقوله: "فقد يجوز أن يكون أراد. . . " إلى آخره، وهو ظاهر.

                                                وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه معلول بعبد الله بن عياش ; فإن أبا حاتم قال فيه: ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة .

                                                وقال أبو داود والنسائي: ضعيف. وفيه نظر ; لأن مسلما أخرج له حديثا واحدا وكفى به توثيقا، وكذا روى له ابن ماجه .




                                                الخدمات العلمية