الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2360 ص: فقال أهل المقالة الأولى: فإنا قد وجدنا في بعض الآثار أن ما كان يصليه بقومه هو تطوع وأن ما كان يصليه مع النبي - عليه السلام - هو فريضة، وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عمرو ، قال: أخبرني جابر : "أن معاذا كان يصلي مع النبي - عليه السلام - العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة.

                                                فكان من حجة الآخرين عليهم أن ابن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جريج ، وجاء به تاما وساقه أحسن من سياقة ابن جريج ، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج : "هي له تطوع ولهم فريضة"، فيجوز أن يكون ذاك من قول ابن جريج ، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار ، ويجوز أن يكون من قول جابر - رضي الله عنه -، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان؟ القول فليس فيه شيء دليل على حقيقة فعل معاذ - رضي الله عنه - أنه كذلك ; لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ ، إنما قالوا قولا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو ثبت ذلك أيضا عن معاذ لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي - عليه السلام -، ولا أن النبي - عليه السلام - لو أخبره به لأقره أو غيره، وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي - عليه السلام - ولا يغتسلون حتى ينزلوا، فقال له عمر : أفأخبرتم النبي - عليه السلام - بذلك فرضيه لكم؟ قال: لا. فلم يجعل ذلك عمر - رضي الله عنه - حجة، فكذلك هذا الفعل لو ثبت أن معاذا فعله في عهد النبي - عليه السلام - لم يكن في ذلك دليل أنه بأمر النبي - عليه السلام -.

                                                [ ص: 277 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 277 ] ش: هذا جواب عن أهل المقالة الأولى عما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: "فلما كان هذا الحديث يحتمل الأمرين. . . . . . " إلى آخره.

                                                بيانه أن يقال: إنكم قلتم إن هذا الحديث لا يتم به الاحتجاج ; لاحتماله الأمرين اللذين لم يكن أحدهما أولى من الآخر لعدم المرجح، فها نحن قد وجدنا في بعض الأحاديث أن ما كان يصليه معاذ بقومه كان تطوعا له، وأن ما كان يصليه مع النبي - عليه السلام - كان فريضة.

                                                وذكروا في ذلك ما أخرجه إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، عن عبد الملك بن جريج المكي ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -. . . إلى آخره

                                                وأخرجه الدارقطني في "سننه": ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه الشافعي أيضا في "مسنده": بسند صحيح، عن عبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن عمرو .

                                                قال البيهقي : هذا حديث ثابت، لا أعلم حديثا يروى من طريق واحدة أثبت من هذا ولا أوثق رجالا.

                                                وأجاب عنه بقوله: فكان من حجة الآخرين عليهم، أي فكان من دليل الجماعة الأخرى وهم أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى.

                                                تقريره: أن هذه الزيادة التي ذكرها ابن جريج في روايته وهي قوله: "هي له تطوع ولهم فريضة" يحتمل أن يكون قولا من رأيه، أو يكون من عمرو بن دينار ، أو يكون من جابر بن عبد الله ، وأيا ما كان فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ - رضي الله عنه - ; لأن النية أمر باطن لا يطلع عليه أحد إلا بإخبار الناوي، فجاز [ ص: 278 ] أن تكون نيته مع النبي - عليه السلام - فرضا وجاز أن تكون نفلا، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما، وإنما يعرف ذلك بإخباره.

                                                وزعم أبو البركات بن تيمية أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى ألا تكون محفوظة.

                                                وقال ابن الجوزي : هذه الزيادة لا تصح، ولو صحت كان ظنا من جابر - رضي الله عنه -.

                                                وكذا ذكره ابن العربي في "العارضة".

                                                وقال الطحاوي : الدليل على عدم صحة هذه الزيادة: أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار ولم يذكرها في روايته.

                                                قلت: أخرج حديثه مسلم بدون هذه الزيادة.

                                                حدثني محمد بن عباد ، قال: ثنا سفيان ، عن عمرو ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: "كان معاذ - رضي الله عنه - يصلي مع النبي - عليه السلام -، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي - عليه السلام - العشاء، ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله - عليه السلام - فلأخبرنه، فأتى رسول الله - عليه السلام - فقال: يا رسول الله - عليه السلام -، إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله - عليه السلام - على معاذ ، فقال: يا معاذ ، أفتان أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا". قال سفيان : فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ والشمس وضحاها والضحى والليل إذا سجى سبح اسم ربك الأعلى فقال عمرو : نحو هذا". انتهى.

                                                [ ص: 279 ] قلت: ورواه أيوب أيضا، عن عمرو بدون هذه الزيادة.

                                                وأخرجه البخاري ومسلم أيضا: من حديث أيوب ، عن عمرو ، عن جابر : "أن معاذا كان يصلي مع النبي - عليه السلام - ثم يأتي قومه فيصلي بهم".

                                                ورواه شعبة أيضا، عن عمرو .

                                                وأخرجه البخاري أيضا: عنه، عن عمرو ، عن جابر : "أن معاذا كان يصلي مع النبي - عليه السلام -، ثم يرجع فيؤم قومه".

                                                ورواه منصور بن زاذان أيضا عن عمرو .

                                                وأخرجه مسلم أيضا: عنه، عن عمرو ، عن جابر نحوه.

                                                قوله: "ولو ثبت ذلك أيضا. . . " إلى آخره، جواب بطريق التسليم، بيانه أن يقال: سلمنا أن ما ذكرتم من الزيادة ثبتت في حديث معاذ - رضي الله عنه -، ولكن لا نسلم أن فيه دليلا على أنه كان ذلك عن معاذ بأمر النبي - عليه السلام -، فإذا لم يقم دليل على أن هذا كان بأمر النبي - عليه السلام - لم تقم به حجة على المدعى، ولا فيه دليل على أنه لو أخبر ذلك للنبي - عليه السلام - ; لكان أقره أو غيره.

                                                ونظير ذلك قضية رفاعة بن رافع - رضي الله عنه - فإنه أخبر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي - عليه السلام - ولا يغتسلون إلا عند الإنزال، فقال له عمر - رضي الله عنه -: أفأخبرتم النبي - عليه السلام - بذلك فرضيه لكم؟ قال رفاعة : لا".

                                                فلم يجعل عمر - رضي الله عنه - ذلك حجة في ترك الغسل بالإيلاج من غير إنزال، فكذلك فعل معاذ -لو سلمنا أنه فعله- في عهد النبي - عليه السلام -، ولكن ليس فيه دليل على أنه كان بأمر النبي - عليه السلام - فلا تقوم به حجة.

                                                على أنه قد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "الإمام ضامن".

                                                [ ص: 280 ] أخرجه ابن حبان في "صحيحه"، يعني: يضمن الصلاة صحة وفسادا، والفرض ليس مضمونا في النفل، وقد يجاب بأن معاذا - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - عليه السلام - صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: "فهي لهم فريضة وله نافلة" بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية