الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2339 ص: فإن قال قائل: فلم قلت ببعض ذلك الحديث وتركت بعضه؟ فقلت: من صلى من العصر ركعة ثم غربت له الشمس أنه يصلي بقيتها؟

                                                قيل له: لم نقل ببعض هذا الحديث ولا بشيء منه، بل جعلناه كله منسوخا بما روي عن رسول الله - عليه السلام - من نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس، ومما قد دل عليه: ما ذكرنا من حديث جبير وعمران وأبي قتادة وأبي هريرة - رضي الله عنهم - أن الفريضة قد دخلت في ذلك وأنها لا تصلى حينئذ كما لا تصلى النافلة، وأما الصلاة عند غروب الشمس لعصر يومه فإنا قد ذكرنا الكلام في ذلك في باب المواقيت.

                                                [ ص: 240 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 240 ] ش: تقرير السؤال أن يقال: حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب يدل على شيئين:

                                                الأول: من أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فعليه أن يتم صلاته.

                                                الثاني: من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فعليه أن يتم صلاته أيضا، فكيف أنتم عملتم ببعض هذا الحديث حيث جوزتم لمن صلى من العصر ركعة ثم غربت الشمس أن يصلي بقيتها، وتركتم العمل ببعضه حيث لم تجوزوا لمن صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس أن يصلي بقيتها، بل حكمتم بفساد صلاته، وهذا تحكم والتحكم باطل؟.

                                                وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم ما ذكرتم ; لأنا لم نقل بهذا الحديث كله فضلا عن بعضه ; لأن هذا الحديث عندنا منسوخ بحديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وبما روي في هذا الباب أيضا من حديث جبير بن مطعم وعمران بن حصين وأبي قتادة وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، وقد بينا حقيقة النسخ في ذلك في هذا الباب.

                                                قوله: "وأما الصلاة عند غروب الشمس" جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا كان الحديث المذكور منسوخا كله عندكم، فكيف جوزتم لمن يصلي ركعة من العصر ثم غربت الشمس أن يصلي بقية صلاته؟

                                                وجوابه ما ذكره في باب "مواقيت الصلاة" وهو أنه - عليه السلام - نهى عن الصلاة عند غروب الشمس، وروي عنه أنه قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر"، فكان في ذلك إباحة الدخول في العصر في ذلك الوقت، فجعل النهي في الحديث الأول عن غير الذي أبيح في الحديث الآخر ; حتى لا يتضاد الحديثان.

                                                [ ص: 241 ] قلت: هذا الجواب لا يخلو عن مناقشة ; لأنه قد ذكر أن هذا الحديث كله منسوخ، فإذا كان كله منسوخا لا يعارض حديث النهي فلا يحتاج إلى التوفيق لأجل انقطاع التضاد، والجواب القاطع ها هنا أن الجزء الذي يتصل به طلوع الشمس من الوقت سبب صحيح تام، فيثبت به الوجوب بصفة الكمال، فإذا طلعت الشمس وهو في خلال الفجر يفسد الفرض ; لأن الكامل لا يتأدى مع النقصان، وأما الجزء الذي يتصل به الغروب من الوقت في معنى سبب فاسدة للنهي الوارد عن الصلاة بعد ما تحمر الشمس فيثبت الوجوب مع النقصان بحسب السبب، فإذا غربت الشمس وهو في خلال صلاة العصر يتم عصره ; لأنه يوجد الأداء بتلك الصفة المذكورة، ولا يلزم إذا أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس حيث لا يجوز ; لأن ضعف السبب ما لم يصر دينا في الذمة فإذا تحقق التفويت بمضي الوقت صار دينا في ذمته، فثبت بصفة الكمال فلا يتأدى بالنقصان، فافهم.




                                                الخدمات العلمية