الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            معلومات الكتاب

            معالم تجديد المنهج الفقهي (أنموذج الشوكاني)

            حليمة بوكروشة

            المحدد الخامس: دراسة إشكالية انفصال مؤسسة الاجتهاد عن سلطة التشريع في الدولة الحديثة

            إن الدراسة الواقعية والموضوعية لموضوع تجديد الفقه الإسلامي تقتضي عدم قصر البحث على الجانب التنظيري الذي يتناول منهج التجديد ومجالاته وضوابطه، دون القضايا التي تمس الجانب التطبيقي الميداني؛ كمعوقات التجديد. ولعل أهم عائق فـي طريق تجـديد علم الفقه هـو: انفصال مؤسسة الاجتهاد عن سلطة التشريع في الدولة الحديثة.

            فبعد قيام الدولة الحديثة انفصلت مؤسسة الاجتهاد عن سلطة الدولة، فاختص الاجتهاد الفقهي بصورة عامة، بشئون الفرد، واختص اجتهاد الدولة بالمرافق العامة، فامتد نفوذ الدولة التشريعي إلى كل ميادين التنظيم الاجتماعي بتطبيق القانون الوضعي، وما بقي خاضعا للاجتهاد الفقهي كالأحوال الشخصية، وبعض جوانب الملكية العقارية، وبعض الجرائم في بعض الدول الإسلامية، عمدت فيه الدولة إلى تقنين الأحكام التي تطبق عليه، وما لم تقننه ألزمت القضاء بالرجوع للحكم فيه إلى مذهب فقهي معين، وبهذا لم يعد لمؤسسة العلماء أو الاجتهاد أي دور في وضع القاعدة القانونية الملزمة. [ ص: 287 ] إن غياب الوضع الدستوري الملائم لصياغة الأحكام الفقهية الاجتهادية في شكل قاعدة قانونية ملزمة هـو أهم عقبة في طريق تجديد الفقه الإسلامي، وذلك لاعتبارات منهجية وأخرى واقعية.

            أما الاعتبارات المنهجية: فأهمها أن التحليل التاريخي لأزمة المنهج في الدراسات الفقهية يبين أن من أسباب إقصاء الفقه الإسلامي عن الواقع التشريعي في العصر الحديث القطيعة الحقيقية التي حدثت بين السلطة السياسية والسلطة العلمية، وهذه الإشكالية كما هـو باد تتكون من طرفين: الحاكم، والفقيه. فلا يمكن بحال من الأحوال تصور الحل من طرف واحد، وتحميل الفقيه وحده مسئولية إعادة الفقه الإسلامي إلى ميادين الحياة العامة.

            أما الاعتبارات الواقعية فأهمها:

            - أن الممارسة الميدانية تمثل مددا للفقه، ووسيلة لنمو وتطور النظم الاجتماعية المتبناة، فإذا لم تجد مناهج التجديد الفقهي سبيلا للممارسة والتطبيق بقيت مجرد أفكار وخطط نظرية.

            - إن الاقتراحات الميدانية التي يقدمها بعض الباحثين لعلاج إشكالية انفصال مؤسسة الاجتهاد عن سلطة التشريع؛ كتكوين العلماء لهيئة تشريعية مستقلة وغيرها متعذر من الناحية التطبيقية؛ لأن النظام [ ص: 288 ] الدستوري في الدولة الحديثة يرفض تسليم مهمة التشريع إلى غير مؤسسات الدولة.

            - إن الفصل الذي تقوم عليه الدولة الحديثة بين ما هـو مدني وما هـو شرعي يبقي الفقه الإسلامي بعيدا عن التطبيق.

            إن هـذه الاعتبارات مجتمعة تفرض على الباحث في التجديد الفقهي التفكير في السبيل الكفيل بتحقيق وحدة مؤسسة التشريع، والقضاء على الفصل بين ما هـو مدني يدخل في اجتهاد الدولة وبين ما هـو شرعي يختص بالعلماء، كما تفرض عليه التفكير في سبل احتكاك العلماء مع المجتمع من جهة، وسبل تفتح المجتمع على مفهوم الدين ومبادئه العامة في تنظيم العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى.

            إن هـذه القضايا ومثيلاتها تعد من أولويات البحث في تجديد الفقه الإسلامي؛ ذلك أن الجدل النظري حول التجديد لا يكسب الفقه الإسلامي مواقع في التنفيذ وإدارة شئون الحياة، ما دام وضع القاعدة القانونية محكوما بالتنظيمات الدستورية القائمة. [ ص: 289 ]

            التالي السابق


            الخدمات العلمية