الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن اشتريت مقثأة ، وفيها بطيخ وقثاء ، فأصابت الجائحة جميع ما في المقثأة من الثمرة وهي تطعم في المستقبل ؟ قال ابن القاسم : ينظر إلى هذا البطن الأول [ ص: 585 ] الذي أصابته الجائحة ، فيعرف كم نبات ثمرته ، وتقوم أيضا فيعرف كم قيمته على غلائه ورخصه وفيما يأتي بعد ، فيعرف كم نباته وقيمته في كثرة حمله ، وينظر إلى قيمته أيضا . هكذا يقوم بطنا بعد بطن ويضم بعضه إلى بعض ، ويعرف النبات فإن كان البطن الذي أصابته الجائحة هو الثلث ، ثلث الثمرة التي اشترى ، نظر إلى ما كانت قيمة هذا البطن الذي أصابته الجائحة ، فيطرح عن المشتري قدرها من الثمن . وتفسير ذلك أنه لما أصابت الجائحة البطن الأول فيعرف قدر نبات ثمرته ، عرف قيمته في غلائه ورخصه . ثم ينظر إلى ما يأتي من نباتها في المستقبل ، فيعرف قدر كل بطن وقيمته على غلائه ورخصه ، فضمت القيمة قيمة كل بطن بعضها إلى بعض . ثم ينظر إلى البطن الذي أصابته الجائحة ما هو من جميع نبات ثمرة هذه المقثأة . فإن كان ذلك الثلث ثلث الثمرة ، وضع عن المشتري من الثمن قدر قيمته من ذلك البطن الذي أصابته الجائحة ، فإن كان ثمن ذلك نصف جميع نبات ثمرة المقثأة أو ثلثيه أو ثلاثة أرباعه أو أقل أو أكثر ، طرح من الثمن بقدر ذلك ، وسواء كان الذي أصابت الجائحة منه في أول أو في آخر أو في وسط .

                                                                                                                                                                                      إنما ينظر ، فإن كان الذي أصابت الجائحة في وسط نظر إلى ما كان أكل المشتري فعرف قدر نباته وقيمته في غلائه ورخصه ، وينظر إلى الذي أصابت الجائحة ، فيعرف قدر نباته وقيمته . وينظر إلى الذي يأتي بعد ذلك حتى تنقطع المقثأة . فإن كان الذي أصابت الجائحة هو ثلث نبات الثمرة ، قيل كم قيمة الذي أصابت الجائحة من جميع القيمة ؟ فإن كان ذلك نصف القيمة أو ثلثيها ، وضع عن المشتري من الثمن نصفه أو ثلثاه ، لأنه قد عرف ما أكل المشتري وما أصابت الجائحة وما جاء بعد ذلك ، فلما كان ذلك ثلث الثمرة وقد كنت أقمت من ذلك البطن الذي أصابت الجائحة ، والذي أكل المشتري والذي جاء بعد ذلك ، فعرفت قيمة ذلك في قدر غلاء أوله وآخره ورخصه ورغبة الناس فيه ، فوضعت عن المشتري من الثمن بقدر قيمة الجائحة . وتفسير ذلك لو أن رجلا اشترى مقثأة بمائة دينار وخمسين دينارا ، وأصابت الجائحة بطنا منها الأول أو الأوسط الآخر ، أنها إن كانت أول البطن الذي أصابته الجائحة ، عرف قدر نباته أقيم . فإن كانت قيمته مائة دينار وعرف ناحية نباته ، نظر إلى الذي يأتي بعد ، فيقام بطنا بعد بطن على ما فسرت لك من رغبة الناس فيه ورخصه وغلائه ، فإن كانت قيمة هذا البطن الثاني ستين دينارا وقد عرف ناحية نباته أيضا ، نظر إلى البطن الثالث فأقيم أيضا . فإن كانت قيمته أربعين دينارا وانقطعت الثمرة فلم يكن فيها إلا ثلاثة بطون وقد عرف ناحية البطن الآخر ، قيل انظروا كم ثمرة كل بطن بعضه من بعض ، فإن قالوا : النبات في كل بطن في الثمرة سواء ، فالذي أصابت الجائحة هو الثلث من الثمرة وقيمته مائة دينار ، وقيمة البطن الثاني ستون دينارا والآخر أربعون دينارا ، فذلك مائتا دينار .

                                                                                                                                                                                      وقد [ ص: 586 ] كان الشراء بخمسين ومائة دينار . قلنا : فانظروا إلى مبلغ البطن الذي أصابت الجائحة وهو ثلث الثمرة ، فإذا هو مائة دينار . قلنا : فأي شيء مائة دينار من جميع قيمة المقثأة ؟ قيل : النصف ، لأن البطن الأول الذي كانت فيه الجائحة قيمته مائة دينار ، والثاني ستون دينارا ، والآخر أربعون دينارا ، فذلك مائتا دينار . فقد صار قيمة الذي أصابته الجائحة من جميع قيمة المقثأة النصف . قلنا : فارجع على البائع بنصف الثمن إن كنت نقدته الثمن ، وإن كنت لم تنقده الثمن ، فعلى هذا فقس جميع ما يرد عليك من هذا

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية