الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : قال في مرضه : إن مت فكل مملوك لي مسلم حر ، وله عبيد مسلمون ونصارى ، فأسلم بعضهم قبل موته ، لم يعتق إلا من هو مسلم عند الوصية ؛ لأنه المقصود ، ولم يخطر إسلام هذا بباله ، قال ابن يونس : قال بعض القرويين : لعله فهم منه إرادة عتق هؤلاء ، فإن لم يكن مقصدا فالأشبه عتق الجميع ؛ لأن الموصي إنما يوصي بما يكون يوم الموت ؛ لأنه إذا قال : إذا مت فعبيدي أحرار ، فباع عبيده ، واشترى غيرهم ، ثم مات ، عتق الذين مات عنهم ، واختلف إن اشترى بعد الوصية مسلمين ، قال ابن القاسم : يدخلون في الوصية خلافا لأصبغ . قال محمد : فإن لم يكن فيهم يوم الوصية مسلمون ؛ فهاهنا من أسلم أو اشتراه يدخل لتجرد اللفظ عن قرينة التخصيص فيبقى على عمومه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : أعتقوه بعد موتي بشهر ، أو هو حر بعد موتي بشهر سواء ، إن لم يحمله الثلث خير الورثة بين الإجازة ، وعتق ما حمله الثلث الآن ، فإن أجازوه خدمهم شهرا ثم عتق الجميع . قال ابن يونس : فلو حمله الثلث خدمهم شهرا وعتق ؛ لأنه مقتضى لفظ الوصية .

                                                                                                                [ ص: 63 ] فرع

                                                                                                                في الكتاب : أوصى له بدينار ، ثم بالثلث فله الأكثر جمعا بين اللفظين ، أو بقدر عشرين إردبا من أرضه ، وهو مبذر مائة فله خمسها بالسهم ، وإن كان دون العشرين لجودته ، أو زاد لدناءته ؛ لأنه المعلوم عند الوصية ، أو بدار ثم بعشرة دور ، فله الأكثر إن حمله الثلث ، أو ما حمله إلا أن يجيزوا ، وإن كانت الدور في بلدان شتى أخذ النصف من كل ناحية بالسهم عدلا بينه وبين الورثة ، ومن أوصى بوصية بعد أخرى ولم يتناقصا وهما من صنفين نفذتا ، أو من صنف ، فالأكثر حملا للثانية على الزيادة ، كانت الأولى أو الأخيرة ، فإن تناقصتا أنفذت الأخيرة فقط ؛ لأنها الناسخة ، وإن أوصى بشيء بعينه ثم أوصى به لآخر فهو بينهما ؛ لأن الأصل عدم الرجوع ، كما لو أوصى لرجل بثلثه ولآخر بجميع ماله ، فالثلث بينهما أرباع ، ولو أوصى بثلث ثلاث دور ، فاستحق داران ، أو بثلث داره ، فاستحق ثلثاها ، فللموصى له ثلث ما بقي ؛ لأنه إنما أوصي له بالثلث ، ولو قال : العبد الذي أوصيت به لزيد أوصيت به لعمرو ، فهو رجوع ، أو أوصى بعتقه ثم لرجل ، أو بالعكس ، فهو رجوع عن الأول لتعذر الشركة مع العتق . قال اللخمي : له الوصيتان إن كانتا في معين نحو سعد وسعيد ، أو إحداهما غير معينة نحو لسعيد ، ثم قال : له عبد من عبيدي ، قاله أشهب . قال : وهو يتجه إذا كانتا ( بكتاب واحد أو نسق واحد من كلامه بعد كتاب ، وإن ذكرهما في يومين بغير كتاب ، ففيه نظر لاحتمال الإخبار عما مضى ، وإن قدم النكرة فهو أشكل لاحتمال بيان المبهم ، واختلف إذا كانتا ) من جنس واحد نحو عشرة دنانير ، ثم قال : عشرون أو بالعكس ، ففي الكتاب : [ ص: 64 ] له عشرون تقدمت أو تأخرت حملا للثانية على تأكيد البعض إن تأخر القليل أو الزيادة ، وإن تأخر فله ثلاثون ؛ لأن الأصل : اعتبار الألفاظ ، والفرق : أن الثاني تأكيد محض ، وهو خلاف الأصل ، والأول فيه إنشاء الزيادة ، وقال عبد الملك : إذا كانت بكتابين فله الأكثر كانت الأولى أو الأخيرة ، أو في كتاب وقدم الأكثر ، كانتا له ، أو تأخر فهو له ، لأن اتحاد الكتاب يقتضي اتحاد العطية فإن استوى العددان : قال محمد : له أحدهما قياسا على الإقرار . وقال عبد الملك : هما له بكتاب أو كتابين ؛ لأن الأصل عدم التأكيد . قال : وأرى إن كانتا بكتاب أو كلام نسق فله أحدهما كانت الأخيرة الأقل ، أم لا ؛ لأن الاتحاد يقتضي الجمع ، وإن لم يكونا نسقا أعطي الأخيرة أكثرهما ؛ لأن الإنسان يوصي بالشيء ثم يستقله ، وإن استوتا بكتاب فهما له ، لعدم الفائدة في إبطال عشرة بعشرة ، وإن كانتا في كتابين وفي الوصية الثانية زيادات لأقوام أجريت هذه كذلك ، أو تنتقص لأقوام اقتصر على واحدة طردا للمناسبة ، وكذلك العبيد والدور وكل جنس متحد يجري فيه الخلاف المتقدم في العين ، والحران كالعددين ، فإن استويا فهما له عند عبد الملك . وأحدهما عند محمد ، وإن اختلفا نحو الثلث والسدس تقدم أو تأخر جرى فيه الخلاف في العددين المختلفين ، واختلف إذا كانت التركة عينا أو ثيابا أو عبيدا أو ديارا ، فقال : له عشرة دنانير ، ثم قال : ثلث مالي ، فقيل : ثلث ما سوى العين ، وله من العين الأكثر على ما تقدم إذا أوصى بعشرة ثم عشرين . فإن كان الثلث أكثر من العشرة أخذه إن أجاز الورثة ، وقيل : له العشرة وثلث التركة قبل إخراج العشرة إن أجازوا كما لو كانت الوصيات لرجلين ، وكذلك دار من دوري ، أو عبد من عبيدي ، ثم قال : له ثلث مالي ، فإن أوصى بدنانير ثم بدراهم ؛ قال محمد : يأخذهما لبيانهما ، وقال ابن حبيب : هما له كما لو كانا دنانير أو دراهم . قال صاحب المنتقى : الدنانير والدراهم والقمح والشعير والدراهم والسبائك أجناس لتباين الصورة . وقال عبد الملك : الدراهم والدنانير جنس ، وإذا فرعنا عليه فأوصى بأحدهما لزيد ، ثم بالآخر : فعن مالك : يعطى الأكثر بالصرف ، [ ص: 65 ] قال اللخمي : قال محمد : فإن كانتا دراهم وسبائك فضة ، أو قمحا أو شعيرا ، أخذها ، ولو أوصى بعبد لفلان ، ثم قال : بعده فهو رجوع ، ولو قال : لفلان ، وبعده لفلان في كلام واحد كبيع من هذا بثلثي ثمنه ، وأعطي ذانك الثلثان فلانا ، وإن لم يشتره أعطى ثلث ثمنه للورثة ، ولو أوصى به لفلان وبعتقه في كتابين أو كتاب ، فالمعتبر الأخير ، وقال أشهب : العتق أولى تقدم أو تأخر لشرفه ، وقال عبد الملك : إن مات عن وارث واحد ، وأوصى بثلثه له ، ثم قال : ثلثي لفلان الأجنبي ، ثم قال : لفلان ، وهو الوارث فهو للأخير منهما ، ويلزم على قوله إذا كانا أجنبيين أن يكون رجوعا عن الأول ، وقال فيمن قال : عبدي مرزوق لمحمد ، ولسعيد مثله ، يعطى لمحمد ، ويشترى لسعيد مثله ، ولو قال : وسعيد مثله بغير لام فهو بينهما نصفان أي مثله في الوصية . قال صاحب المنتقى : وكذلك في مائة دينار معينة ، وأما غير المعينة فلكل واحد مائة دينار معينة ، وأما غير المعينة فلكل واحد مائة مطلقا لعدم الحصر بالتعيين ، قال التونسي : إذا أوصى بمائة ثم بخمسين ، يحتمل الرجوع عن المائة ، وعدم الرجوع فيقسم نصفها مع الخمسين فيكون له مائة ، ولم يقصد ابن القاسم هذا في قوله : يأخذ الأكثر و إلا يلزم أن يأخذ مائة وخمسة وعشرين إذا تأخرت المائة ، ولم يقله بل أعطاه المائة ؛ لأنه لاحظ أن الأخيرة إذا كانت أكثر فالعادة أنهما زيادة ، وأبطل الأولى ؛ لأنها بقيت مسكوتا عنها ، أو الأقل فهو لم يصرح بالرجوع عنها ، ولا بزيادة الخمسين عليها فله المائة فقط ، وإن أوصى بدنانير ثم بدراهم أو بعرض : فله الوصيتان ، وقيل : أكثرهما قيمة ، ولو قال : عبدي لفلان ، ثم قال : هو حر وجهل أي القولين أول . القياس : أن يكون نصفه حرا ، ونصفه لفلان ، وقيل الحرية أولى ، وإن قال : هو لفلان ، ثم قال : بيعوه لفلان ، قيل : رجوع ، وقيل : يباع من فلان بنصف ثلث ثمنه ، وقيل : إذا لم يكن له مال غيره : فالثلث بينهما على أربعة أجزاء : للموصى له ثلاثة ، كما لو [ ص: 66 ] وصى بماله لفلان وثلثه لفلان ، قال ابن يونس : قوله في الكتاب : أوصى بثلاثين دينارا ثم أوصى له بالثلث ، يضرب بالأكثر . قال سحنون : معناه : التركة كلها عين ، فلو كانت عينا وعرضا ضرب بثلث العرض ، وبالأكثر من ثلث العين ، أو التسمية ، وإن كانت كلها عرضا ضرب بالثلث ، والتسمية فإن لم يكن معه وصايا ، فإنما له الثلث إلا أن يجيزوا فله الوصيتان ، وإن أوصى بعشرة شياه ، ثم بعشرين ، فله الأكثر كالدنانير ، فإن كانت الغنم مائة فله خمسها بالسهم ، كان أقل من العشرين أو أكثر ، وكذلك العبيد ، وإذا قال : ثلثي لفلان وفلان وفلان ، ثم قال : وأعطوا فلانا مائة دينار لأحد الثلاثة ، ضرب بأكثر الوصيتين ؛ قاله ابن القاسم . قال : وإنما يصح ذلك إذا كان ماله كله عينا . أما العين والعرض فله تسع العرض ، والأكثر من تسع العين أو التسمية ، وإن أوصى بمائة مبدأة ، وبوصايا ثم لصاحب المائة بألف . قال مالك : يحاص بالألف إن وقع له أكثر من المائة وأخذه فقط ، أو يأخذ المائة المبدأة ويحاص بالألف في بقية الثلث ، وإن قال : ثلثي في سبيل الله ، ثم قال بعد يومين : يقسم ثلثي أثلاثا : ثلث للمساكين : وثلث في الرقاب : وثلث يحج به عني ، قال ابن القاسم : نصف ثلثه في سبيل الله ، ونصفه أثلاث على ما نص ، وإذا قال : غلة عبدي لفلان ، ثم قال : خدمته لفلان . قال أشهب : ليس برجوع بل يستخدمانه أو يستغلانه بالسواء ، فإن حمله الثلث وإلا خير الورثة بين الإجازة أو إسلام ثلث الميت ، وإن قال : يخدم فلانا سنين ثم هو حر ، ثم قال : يخدم فلانا سنتين : يحاصا في سنة أثلاثا .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية