وإذا قلت له: هذه حجة توجب أن مذهبه يستلزم وصفه بالتحتية، وهو متفق على نفيها بيننا. قال لك: ولي أنا حجج أعظم من هذه توجب أن مذهبك يستلزم وصفه بالعدمية التي هي أعظم من التحتية، وهي منتفية بالضرورة والاتفاق. قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=33ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 33] فمخالفو الرسل ومنهم مخالفو ما جاء به الكتاب والسنة لا يأتون بقياس يردون به بعض ما جاءت به الرسل فيكون
[ ص: 51 ] قياسا أقاموا به باطلا إلا جاء الله فيما بعث به الرسل بالحق وبقياس أحسن تفسيرا وكشفا وإيضاحا للحق، كما أن الحجج الفطرية الضرورية التي تبين أن مذهب المؤسس يستلزم أن يكون الله معدوما هي مع أنها حق فهي أحسن بيانا وإيضاحا وتفسيرا للمطلوب من قياسه هذا الذي بين به أن
nindex.php?page=treesubj&link=28728وصفه بالعلو والفوقية يستلزم وصفه بالسفول والتحتية.
وكذلك قول من يقول: هذا يوجب أن يكون فلكا من الأفلاك فيقال لهم: أنتم قد جعلتم لكل فلك عقلا على حدة، والأفلاك بعضها فوق بعض، وقلتم: إن لكل فلك عقلا ونفسا حتى ينتهي الأمر إلى العقل الفعال الذي لهذا الفلك
[ ص: 52 ] القريب منا، ومع هذا فلم تجعلوا هذه العقول والنفوس المختصة بفلك فلك من جنس الأفلاك، بل زعمتم أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، مع جعلهم لها درجة بعد درجة، فكيف ينكرون أن يكون خالق الجميع فوق الجميع ومحيطا به من جهته المحيطة جميعها، ليس هو من جنسها حتى يقال فيه ما يقال في فلك فلك. وإن كان بعض متأخري أهل الحديث قد جعله بمنزلة ذلك فهذا خطأ،
[ ص: 53 ] لأن
nindex.php?page=treesubj&link=33677الله ليس كمثله شيء، والمخلوقات كلها كما قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس: " ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم ". فهي في
[ ص: 54 ] قبضته أقل من أن تكون نسبتها إليه نسبة الفلك إلى ما فيه.
وَإِذَا قُلْتَ لَهُ: هَذِهِ حُجَّةٌ تُوجِبُ أَنَّ مَذْهَبَهُ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَهُ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى نَفْيِهَا بَيْنَنَا. قَالَ لَكَ: وَلِي أَنَا حُجَجٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ تُوجِبُ أَنَّ مَذْهَبَكَ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَهُ بِالْعَدَمِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنَ التَّحْتِيَّةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بِالضَّرُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ. قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=33وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الْفُرْقَانِ: 33] فَمُخَالِفُو الرُّسُلِ وَمِنْهُمْ مُخَالِفُو مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ لَا يَأْتُونَ بِقِيَاسٍ يَرُدُّونَ بِهِ بَعْضَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَيَكُونُ
[ ص: 51 ] قِيَاسًا أَقَامُوا بِهِ بَاطِلًا إِلَّا جَاءَ اللَّهُ فِيمَا بَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ بِالْحَقِّ وَبِقِيَاسٍ أَحْسَنَ تَفْسِيرًا وَكَشْفًا وَإِيضَاحًا لِلْحَقِّ، كَمَا أَنَّ الْحُجَجَ الْفِطْرِيَّةَ الضَّرُورِيَّةَ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُؤَسِّسِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعْدُومًا هِيَ مَعَ أَنَّهَا حَقٌّ فَهِيَ أَحْسَنُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا وَتَفْسِيرًا لِلْمَطْلُوبِ مِنْ قِيَاسِهِ هَذَا الَّذِي بَيَّنَ بِهِ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28728وَصْفَهُ بِالْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَهُ بِالسُّفُولِ وَالتَّحْتِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: هَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فَلَكًا مِنَ الْأَفْلَاكِ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَنْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ لِكُلِّ فَلَكٍ عَقْلًا عَلَى حِدَةٍ، وَالْأَفْلَاكُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ لِكُلِّ فَلَكٍ عَقْلًا وَنَفْسًا حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَقْلِ الْفَعَّالِ الَّذِي لِهَذَا الْفَلَكِ
[ ص: 52 ] الْقَرِيبِ مِنَّا، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ تَجْعَلُوا هَذِهِ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ الْمُخْتَصَّةَ بِفَلَكٍ فَلَكٍ مِنْ جِنْسِ الْأَفْلَاكِ، بَلْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ، مَعَ جَعْلِهِمْ لَهَا دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُ الْجَمِيعِ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَمُحِيطًا بِهِ مِنْ جِهَتِهِ الْمُحِيطَةِ جَمِيعِهَا، لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِهَا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ مَا يُقَالُ فِي فَلَكٍ فَلَكٌ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْحَدِيثِ قَدْ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ فَهَذَا خَطَأٌ،
[ ص: 53 ] لِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=33677اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا كَمَا قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنُ عَبَّاسٍ: " مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ ". فَهِيَ فِي
[ ص: 54 ] قَبْضَتِهِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ نِسْبَتُهَا إِلَيْهِ نِسْبَةَ الْفَلَكِ إِلَى مَا فِيهِ.