الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ ) إِذْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَيِ اذْكُرْ ، وَالْأَلِفُ فِي ابْتَلَى مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ وَأَصْلُهُ مِنْ بَلَى يَبْلُو إِذَا اخْتَبَرَ . وَفِي إِبْرَاهِيمَ لُغَاتٌ : إِحْدَاهَا إِبْرَاهِيمُ بِالْأَلِفِ وَالْيَاءِ ; وَهُوَ الْمَشْهُورُ . وَ " إِبْرَاهَمُ " كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ تُحْذَفُ الْيَاءُ ، وَإِبْرَاهَامُ ; بِأَلِفَيْنِ ، وَإِبْرَاهُمُ بِأَلِفِ وَاحِدَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ ; وَبِكُلٍّ قُرِئَ . وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَعْرِفَةٌ ; وَجَمْعُهُ أَبَارِهُ عِنْدَ قَوْمٍ ; وَعِنْدَ آخَرِينَ بَرَاهِمُ . وَقِيلَ فِيهِ أَبَارِهَةُ وَبَرَاهِمَةُ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( جَاعِلُكَ ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جَعَلَ الَّتِي بِمَعْنَى صَيَّرَ وَ ( لِلنَّاسِ ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَاعِلٍ ; أَيْ لِأَجْلِ النَّاسِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; وَالتَّقْدِيرُ : إِمَامًا لِلنَّاسِ ; فَلَمَّا قَدَّمَهُ نَصَبَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) : الْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ ، وَالتَّقْدِيرُ : اجْعَلْ فَرِيقًا مِنْ ذُرِّيَّتِي إِمَامًا . ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى جَعْلِ الْعَهْدِ هُوَ الْفَاعِلُ . وَيُقْرَأُ الظَّالِمُونَ عَلَى الْعَكْسِ ; وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ لِأَنَّ مَا نِلْتَهُ فَقَدْ نَالَكَ . قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا ) : مِثْلُ " وَإِذِ ابْتَلَى " . وَجَعَلَ هَاهُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى صَيَّرَ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ ، أَوْ وَضَعَ ; فَيَكُونُ ( مَثَابَةً ) : حَالًا . وَأَصْلُ مَثَابَةٍ مَثُوبَةٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ . وَ ( لِلنَّاسِ ) : صِفَةٌ لِمَثَابَةٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَعَلْنَا ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : لِأَجْلِ نَفْعِ النَّاسِ . وَ ( وَاتَّخِذُوا ) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : فَثَابُوا وَاتَّخَذُوا . وَيُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُسْتَأْنَفًا . وَ ( مِنْ مَقَامِ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ; أَيْ بَعْضُ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى فِي . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ . وَ ( مُصَلًّى ) : مَفْعُولُ اتَّخَذُوا ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ، وَوَزْنُهُ مُفْعَلٌ ، وَهُوَ مَكَانٌ لَا مَصْدَرٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ : مَكَانُ مُصَلًّى ; أَيْ مَكَانُ صَلَاةٍ ، وَالْمَقَامُ مَوْضِعُ الْقِيَامِ ، وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ هُنَا ; لِأَنَّ قِيَامَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُتَّخَذُ مُصَلًّى . ( أَنْ طَهِّرَا ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " أَنْ " هُنَا بِمَعْنَى أَيِ الْمُفَسِّرَةِ ; لِأَنَّ عَهِدْنَا بِمَعْنَى قُلْنَا وَالْمُفَسِّرَةُ تَرِدُ بَعْدَ الْقَوْلِ ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا مَوْضِعَ لَهَا عَلَى هَذَا . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وَصِلَتُهَا الْأَمْرُ ، وَهَذَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِلَةً فِي أَنَّ دُونَ غَيْرِهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ : بِأَنْ طَهِّرَا فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا جَرًّا أَوْ نَصْبًا عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ . وَ ( السُّجُودِ ) : جَمْعُ سَاجِدٍ ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيِ الرُّكَّعِ ذَوِي السُّجُودِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ) : اجْعَلْ بِمَعْنَى صَيِّرْ ; وَهَذَا الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ; وَبَلَدًا الْمَفْعُولُ الثَّانِي ; وَ ( آمِنًا ) صِفَةُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي ، وَأَمَّا الَّتِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَتُذْكَرُ هُنَاكَ . ( مَنْ آمَنَ ) : مَنْ بَدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ ، وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كَلٍّ ( وَمَنْ كَفَرَ ) : فِي مَنْ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : قَالَ : وَأَرْزُقُ مَنْ كَفَرَ وَحَذَفَ الْفِعْلَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . ( فَأُمَتِّعُهُ ) : عَطَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ ، وَ " فَأُمَتِّعُهُ " خَبَرُهُ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا ; إِلَّا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ مُسْتَحَقًّا بِصِلَتِهَا ; كَقَوْلِكَ : الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ ، وَالْكُفْرُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّمْتِيعُ ، فَإِنْ جَعَلْتَ الْفَاءَ زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ جَازَ ، وَإِنْ جَعَلْتَ الْخَبَرَ مَحْذُوفًا وَ " فَأُمَتِّعُهُ " دَلِيلًا عَلَيْهِ ; جَازَ تَقْدِيرُهُ : وَمَنْ كَفَرَ أَرْزُقُهُ فَأُمَتِّعُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ " مَنْ " شَرْطِيَّةً ، وَالْفَاءُ جَوَابُهَا ، وَقِيلَ الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : وَمَنْ كَفَرَ أَرْزُقُهُ ، وَمَنْ عَلَى هَذَا رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً ; لِأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ لَا يَعْمَلُ فِيهَا جَوَابُهَا ، بَلِ الشَّرْطُ ، وَكَفَرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِمَعْنَى يَكْفُرُ ، وَالْمَشْهُورُ فَأُمَتِّعُهُ بِالتَّشْدِيدِ وَضَمِّ الْعَيْنِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ أَوْ خَبَرٌ . وَقُرِئَ شَاذًّا بِسُكُونِ الْعَيْنِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ حَذَفَ الْحَرَكَةَ تَخْفِيفًا لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً ، وَأُمَتِّعُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ ، وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ ، وَضَمِّ الْعَيْنِ ، وَإِسْكَانِهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيُقْرَأُ فَأُمَتِّعُهُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ تَمَامِ الْحِكَايَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ . ( قَلِيلًا ) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، أَوْ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ . ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ ) : الْجُمْهُورُ عَلَى رَفْعِ الرَّاءِ ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا وَوَصْلِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) : الْمَصِيرُ فَاعِلُ بِئْسَ ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النَّارُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية