الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد ( 267 ) ) .

قوله تعالى : ( أنفقوا من طيبات ) : المفعول محذوف ; أي شيئا من طيبات . وقد ذكر مستوفى فيما تقدم .

( ولا تيمموا ) : الجمهور على تخفيف التاء ، وماضيه تيمم والأصل تتيمموا ، فحذف التاء الثانية ، كما ذكر في قوله : " تظاهرون " .

ويقرأ بتشديد التاء ، وقبله ألف وهو جمع بين ساكنين ، وإنما سوغ ذلك المد الذي في الألف ، وقرئ بضم التاء ، وكسر الميم الأولى على أنه لم يحذف شيئا ، ووزنه تفعلوا .

( منه ) : متعلقة بـ " تنفقون " والجملة في موضع الحال من الفاعل في تيمموا ، وهي حال مقدرة ; لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه .

[ ص: 178 ] ويجوز أن يكون حالا من الخبيث ; لأن في الكلام ضميرا يعود إليه ; أي منفقا منه .

( والخبيث ) : صفة غالبة ، فلذلك لا يذكر معها الموصوف .

( ولستم بآخذيه ) : مستأنف لا موضع له . ( إلا أن تغمضوا ) : في موضع الحال ; أي إلا في حال الإغماض .

والجمهور على ضم التاء ، وإسكان الغين ، وكسر الميم ، وماضيه أغمض ، وهو متعد ، وقد حذف مفعوله ; أي تغمضوا أبصاركم أو بصائركم ، ويجوز أن يكون لازما مثل أغضى عن كذا ، ويقرأ كذلك ، إلا أنه بتشديد الميم وفتح الغين ، والتقدير : أبصاركم .

ويقرأ تغمضوا : بضم التاء والتخفيف ، وفتح الميم على ما لم يسم فاعله ، والمعنى إلا أن تحملوا على التغافل عنه ، والمسامحة فيه .

ويجوز أن يكون من أغمض إذا صودف على تلك الحال ; كقولك أحمد الرجل ; أي وجد محمودا ، ويقرأ بفتح الفاء وإسكان الغين ، وكسر الميم من غمض يغمض ، وهي لغة في غمض ، ويقرأ كذلك إلا أنه بضم الميم ، وهو من غمض ، كظرف ; أي خفي عليكم رأيكم فيه .

قال تعالى : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ( 268 ) ) .

قوله تعالى : ( يعدكم ) : أصله يوعدكم ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة ، وهو يتعدى إلى مفعولين ، وقد يجيء بالباء يقال : وعدته بكذا .

( مغفرة ) : يجوز أن يكون صفة ، وأن يكون مفعولا متعلقا بيعد ; أي يعدكم من تلقاء نفسه : وفضلا تقديره : منه استغنى بالأولى عن إعادتها .

قال تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب ( 269 ) ) .

قوله تعالى : ( ومن يؤت ) : يقرأ بضم الياء وفتح التاء ; و " من " على هذا مبتدأ وما بعدها الخبر ويقرأ بكسر التاء ، فمن على هذا في موضع نصب بيؤت ، ويؤت مجزوم بها ، فقد عمل فيما عمل فيه ، والفاعل ضمير اسم الله .

[ ص: 179 ] والأصل في : ( يذكر ) : يتذكر ، فأبدلت التاء ذالا لتقرب منها فتدغم .

قال تعالى : ( وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار ( 270 ) ) .

قوله تعالى : ( ما أنفقتم ) : ما شرط . وموضعها نصب بالفعل الذي يليها ، وقد ذكرنا مثله في قوله : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) [ البقرة : 197 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية