الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 255 ] سورة النساء .

بسم الله الرحمن الرحيم .

قال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ( 1 ) .

قد مضى القول في قوله تعالى : ( ياأيها الناس ) في أوائل البقرة . ( من نفس واحدة ) : في موضع نصب بخلقكم ، ومن لابتداء الغاية ، وكذلك " منها زوجها " .

و ( منهما رجالا كثيرا ) : نعت لرجال ؛ ولم يؤنثه لأنه حمله على المعنى ؛ لأن رجالا بمعنى عدد أو جنس أو جمع كما ذكر الفعل المسند إلى جماعة المؤنث ؛ كقوله : " وقال نسوة " وقيل : ( كثيرا ) : نعت لمصدر محذوف ؛ أي : بثا كثيرا .

( تساءلون ) : يقرأ بتشديد السين ، والأصل تتساءلون ، فأبدلت التاء الثانية سينا ، فرارا من تكرير المثل ، والتاء تشبه السين في الهمس ، ويقرأ بالتخفيف على حذف التاء الثانية ؛ لأن الباقية تدل عليها ودخل حرف الجر في المفعول ؛ لأن المعنى تتحالفون به .

( والأرحام ) : يقرأ بالنصب وفيه وجهان : أحدهما : معطوف على اسم الله ؛ أي : واتقوا الأرحام أن تقطعوها . والثاني : هو محمول على موضع الجار والمجرور ، كما تقول مررت بزيد وعمرا ؛ والتقدير : الذي تعظمونه والأرحام ؛ لأن الحلف به تعظيم له ، ويقرأ بالجر قيل : هو معطوف على المجرور ، وهذا لا يجوز عند البصريين ، وإنما جاء في الشعر على قبحه ، وأجازه الكوفيون على ضعف .

وقيل : الجر على القسم ، وهو ضعيف أيضا ؛ لأن الأخبار وردت بالنهي عن الحلف بالآباء ، ولأن التقدير في القسم : وبرب الأرحام ، هذا قد أغنى عنه ما قبله .

وقد قرئ شاذا بالرفع ، وهو مبتدأ والخبر محذوف تقديره : والأرحام محترمة ، أو واجب حرمتها .

[ ص: 256 ] قال تعالى : ( وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) ( 2 ) .

قوله تعالى : ( بالطيب ) : هو المفعول الثاني لتتبدلوا . ( إلى أموالكم ) : إلى متعلقة بمحذوف ، وهو في موضع الحال ؛ أي : مضافة إلى أموالكم ، وقيل : هو مفعول به على المعنى ؛ لأن معنى لا تأكلوا أموالهم : لا تضيفوها . ( إنه ) : الهاء ضمير المصدر الذي دل عليه تأكلوا ؛ أي : إن الأكل والأخذ ، والجمهور على ضم الحاء من " حوبا " وهو اسم للمصدر ، وقيل : مصدر ، ويقرأ بفتحها وهو مصدر حاب يحوب إذا أثم .

قال تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) ( 3 ) .

قوله تعالى : ( وإن خفتم ) : في جواب هذا الشرط وجهان : أحدهما : هو قوله " فانكحوا ما طاب لكم . . . " وإنما جعل جوابا ؛ لأنهم كانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ، ولا يتحرجون من الاستكثار من النساء ، مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن ، فكأنه قال إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذاك .

والوجه الثاني : أن جواب الشرط قوله : فواحدة ؛ لأن المعنى إن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا منهن واحدة ، ثم أعاد هذا المعنى في قوله : " فإن خفتم أن لا تعدلوا " لما طال الفصل بين الأول وجوابه . ذكر هذا الوجه أبو علي .

( ألا تقسطوا ) : الجمهور على ضم التاء ، وهو من أقسط إذا عدل ، وقرئ شاذا بفتحها ، وهو من قسط إذا جار ، وتكون لا زائدة . ( ما طاب ) : " ما " هنا بمعنى من ، ولها نظائر في القرآن ستمر بك إن شاء الله تعالى .

وقيل : ما تكون لصفات من يعقل ، وهي هنا كذلك ؛ لأن ما طاب يدل على الطيب منهن .

وقيل : هي نكرة موصوفة ؛ تقديره : فانكحوا جنسا طيبا يطيب لكم ، أو عددا يطيب لكم ، وقيل : هي مصدرية ، والمصدر المقدر بها وبالفعل مقدر باسم الفاعل ؛ أي : انكحوا الطيب . ( من النساء ) : حال من ضمير الفاعل في طاب . ( مثنى وثلاث ورباع ) : نكرات لا تنصرف للعدل والوصف وهي بدل من ما . وقيل : هي حال من النساء . ويقرأ شاذا .

[ ص: 257 ] " وربع " بغير ألف ؛ ووجهها أنه حذف الألف كما حذفت في خيم ، والأصل خيام ، وكما حذفت في قولهم : أم والله . والواو في " وثلاث ورباع " ليست للعطف الموجب للجمع في زمن واحد ؛ لأنه لو كان كذلك لكان عيا ؛ إذ من أرك الكلام أن تفصل التسعة هذا التفصيل ، ولأن المعنى غير صحيح أيضا ؛ لأن مثنى ليس عبارة عن ثنتين فقط ، بل عن ثنتين ثنتين ، وثلاث عن " ثلاث ثلاث " ، وهذا المعنى يدل على أن المراد التخيير لا الجمع . ( فواحدة ) : أي : فانكحوا واحدة ، ويقرأ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : فالمنكوحة واحدة . ويجوز أن يكون التقدير : فواحدة تكفي . ( أو ما ملكت ) : أو للتخيير على بابها . ويجوز أن تكون للإباحة . و " ما " هنا بمنزلة ما في قوله " ما طاب " . ( ألا تعولوا ) ؛ أي : إلى أن لا تعولوا ، وقد ذكرنا مثله في آية الدين .

قال تعالى : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) ( 4 ) .

قوله تعالى : ( نحلة ) : مصدر ؛ لأن معنى آتوهن : أنحلوهن . وقيل : هو مصدر في موضع الحال ، فعلى هذا يجوز أن يكون حالا من الفاعلين ؛ أي : ناحلين ، وأن يكون من الصدقات ، وأن يكون من النساء ؛ أي : منحولات . ( نفسا ) : تمييز والعامل فيه طبن ، والمفرد هنا في موضع الجمع ؛ لأن المعنى مفهوم ، وحسن ذلك أن نفسا هنا في معنى الجنس ، فصار كدرهما في قولك : عندي عشرون درهما . ( فكلوه ) : الهاء تعود على شيء ، والهاء في منه تعود على المال ؛ لأن الصدقات مال . ( هنيئا ) : مصدر جاء على فعيل ، وهو نعت لمصدر محذوف ؛ أي : أكلا هنيئا ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال من الهاء ، والتقدير : مهنأ أو طيبا . و ( مريئا ) : مثله ؛ والمريء فعيل بمعنى مفعل ؛ لأنك تقول أمرأني الشيء إذا لم تستعمله مع هنائي ، فإن قلت : هناني ومراني لم تأت بالهمزة في مراني لتكون تابعة لهناني .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث