الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      ثم قال:


      ومع أولى المؤمنين الملؤا في النمل عن كل ولفظ تفتؤا

      ذكر في البيت من كلمات هذا الفصل المخالفة للقياس كلمتين، وهما: "الملؤا"، في "النمل" مطلقا مع كلمة: "الملؤا" الأولى في سورة "المؤمنين" و: "تفتؤا".

      أما "الملؤا" في "النمل" فثلاثة: "يا أيها الملؤا إني ألقي إلي كتاب كريم"، "يا أيها الملؤا أفتوني"، "يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها".

      وأما الكلمة الأولى في "المؤمنين" فهي: "فقال الملؤا الذين كفروا من قومه".

      واحترز بقوله: "أولى المؤمنين" عن الثانية فيها وهي: وقال الملأ من قومه الذين كفروا .

      كما احترز بقيد السورتين عن الملأ الواقع في غيرهما "كالأعرف"، فإن ذلك مرسوم بالألف.

      وأما "تفتؤا" في "يوسف": "تالله تفتؤا"، ولما ذكر الناظم الخلاف فيما قبل هذا البيت احتاج إلى أن يزيد هنا قوله: "عن كل"، أي: عن كل المصاحف أو كتابها ليرفع توهم أن كلمتي هذا البيت من ذوات الخلاف أيضا.

      ثم قال:


      وبرءاؤا معه دعاؤا     في الطول والدخان قل بلاؤا

      ذكر في هذا البيت من كلمات هذا الفصل المخالفة للقياس عن كل ثلاث كلمات؛ وهي: "برءاؤا"، و: "دعاؤا". في "الطول"، أي: سورة "غافر"، و: "بلاؤا". في "الدخان".

      أما "برءاؤا" في "الممتحنة": "إنا برءاؤا منكم"، ولم يصرح الناظم بحذف صورة الهمزة الأولى من: "برءاؤا"، وقد نص عليه الشيخان.

      وأما "دعاؤا" ففي "الطور" فهو: "وما دعاؤا الكافرين إلا في ضلال". واحترز بقيد السورة عن الواقع في: "الرعد"؛ فإنه مرسوم على القياس.

      وأما "بلاؤا" في "الدخان" فهو: "وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاؤا مبين". واحترز بقيد الدخان عن الواقع في غيرها وهو في "البقرة"، و: "الأعراف"، و: "إبراهيم"، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ، فإنه مرسوم على القياس.

      ثم قال:


      ويتفيؤا كذا ينبؤا     وفي سوى التوبة جاء نبؤا

      ذكر في هذا البيت من كلمات هذا الفصل المخالفة للقياس ثلاث كلمات أيضا، [ ص: 170 ] وهي: "يتفيؤا"، و: "ينبؤا". و: "نبؤا" في غير التوبة، أما يتفيؤا ففي النحل: "يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل".

      وأما ينبؤا ففي "القيامة": "ينبؤا الإنسان يومئذ". ولم يذكر الشيخان فيه خلافا، وسيأتي الخلاف فيه عن الشاطبي .

      وأما "نبؤا" في غير "التوبة" فأربعة في "إبراهيم": "ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم". وفي "ص": "وهل أتاك نبؤا الخصم". "قل هو نبؤا عظيم"، وفي "التغابن": "ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل". واحترز بقوله في سوى "التوبة" عن الواقع فيها وهو: ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم . فإنه مرسوم على القياس، والعمل على تصوير الهمزة واوا بعدها ألف في: "ينبؤا". كالكلمتين الباقيتين.

      ثم قال:


      ثمت فيكم شركاؤا يدرؤا     وشركاؤا شرعوا وتظمؤا

      ذكر في هذا البيت من كلمات هذا الفصل المخالفة للقياس عن كل ثلاث كلمات أيضا، وهي: "شركاؤا"، في موضعين، و: "يدرؤا"، و: "تظمؤا".

      أما "شركاؤا" في الموضعين ففي "الأنعام": "أنهم فيكم شركاؤا".

      وفي "الشورى": "أم لهم شركاؤا شرعوا لهم". واحترز بقيدي: "فيكم" وشرعوا عن الخالي عنهما نحو: فيه شركاء متشاكسون . أم لهم شركاء فليأتوا . فإنه مرسوم على القياس.

      وأما "يدرؤا" ففي "النور": "يدرؤا عنها العذاب".

      وأما "تظمؤا" ففي "طه": "وأنك لا تظمؤا فيها".

      ولا يخفى أنه لا يندرج فيه: "ظمأ"، وهو مرسوم على القياس، وقوله: ثمت، حرف عطف زيدت عليها التاء المفتوحة لتأنيث اللفظ.

      ثم قال:


      وأتوكؤا وما نشاؤا     في هود والخلاف في أبناؤا

      ذكر في هذا البيت من كلمات هذا الفصل المخالفة للقياس ثلاث كلمات أيضا.

      وهي: "أتوكؤا"، و: ""نشاؤا"، في هود من غير خلاف فيهما، و: "أبناؤا". على خلاف فيها.

      أما "أتوكؤا" ففي "طه": "أتوكؤا عليها".

      وأما "نشاؤا" في "هود" فهو: "أو أن نفعل في أموالنا ما نشاؤا"، واحترز بقيد المجاور، وهو ما عن الخالي عنه نحو: نصيب برحمتنا من نشاء . وبقيد السورة عن المقترن بما في غيرها وهو في: "الحج": ونقر في الأرحام ما نشاء . فإنهما مرسومان على القياس.

      وأما "أبناؤا" المختلف فيه ففي "العقود": [ ص: 171 ] "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناؤا الله". وقد ذكره الشيخان بالخلاف، ورجح أبو داود فيه الواو على خلاف القياس، قائلا: ولا أمنع من القياس، والعمل عندنا على رسمه بواو بعدها ألف كالكلمتين قبله.

      ثم قال:


      وعن أبي داود أيضا ذكرا     في لفظ أبناؤا الذي في الشعرا


      وفي ينبؤا في العقيلة ألف     وليس قبل الواو فيهن ألف

      لما قدم أن "أنباؤا" في "الأنعام" و: "الشعراء"، و: "ينبؤا" في القيامة، مما خالف القياس فصورت همزتهما بواو بعدها ألف، استدرك الخلاف في: "أنباؤا"، الذي في "الشعراء"، لأبي داود، وفي: "ينبؤا"، في سورة القيامة للشاطبي في: "العقيلة"، وقد ذكر أبو داود في "التنزيل"، اختلاف المصاحف في: "أنباؤا" الذي في "الشعراء"، قال: ففي بعضها بواو وألف بعدها دون ألف قبلها، وفي بعضها بالألف لا غير، وزاد من النقل لكل من الوجهين ما لا يقتضي ترجيحا، وقال الشاطبي في: "ينبؤا" وفي: "ينبؤا الإنسان الخلاف"، وهو من زيادة "العقيلة" على "المقنع"، إذ لم يذكر أبو عمرو : "ينبؤا"، في "المقنع" إلا بالواو والألف بعدها، ومقتضى كلام بعض شراح "العقيلة" ترجيح رسمه بالألف على القياس، لكن نقل الشيخين يخالفه لجزمهما فيه بمخالفة القياس، وقد قدمنا أن العمل في "أنباؤا"، في "الشعراء"، وفي: "ينبؤا" في القيامة على تصوير الهمزة واوا بعدها ألف.

      ثم لما فرغ الناظم من ذكر الكلمات التي خالفت القياس، فصورت همزتها واوا وزيد ألف بعدها أخبر في الشطر الأخير مع إطلاق الحكم الذي يشير به إلى اتفاق شيوخ النقل بانتفاء الألف خطأ، أي: حذفها قبل الواو التي هي صورة للهمزة في جميع الكلمات المتقدمة في هذا الفصل؛ يعني مما فيه الألف قبل الهمزة لفظا: ك: "العلماؤا"، و: "الضعفاؤا". و: "شفعاؤا"، و: "شركاؤا" فلا ترسم تلك الألف بالكحلاء إجماعا، وإنما تلحق قبل الواو بالحمراء على ما اختاره أبو داود وبه العمل، وقد وجه الشيخان حذفها بالاختصار، والاكتفاء بدلالة الفتحة قبلها عليها، وكان حق هذا الشطر أن يذكر في حذف الألفات؛ لكن مراعاة المناسبة والاختصار حسنت ذكره هنا، واعلم [ ص: 172 ] أن ترجمة هذا الفصل صريحة في أن الواو في كلمات هذا الفصل صورة للهمزة، وأن الألف بعدها زائدة.

      أما أن الواو صورة للهمزة فعليه اقتصر أبو عمرو في: "المقنع"، وأبو داود في: "التنزيل"، وعليه تكون الواو في جميع كلمات هذا الفصل صورة للهمزة على مراد وصل الكلمة التي الهمزة في آخرها بالكلمة التي بعدها، وجعل المنفصل خطا كالمتصل لفظا كما ذكره الشيخان، فتكون الهمزة في تلك الكلمات كالمتوسطة في نحو: "أبناؤكم". و: "يذرؤكم".

      وإما أن الألف زائدة فعليه اقتصر الشيخان في الرسم، وذكر أبو عمرو في المحكم أن علة زيادتها، إما شبه الواو بواو الجمع التي تلحق الألف بعدها من حيث وقعت طرفا مثلها، وهو قول أبي عمرو بن العلاء، وإما تقوية للهمزة وبيان لها، وهو قول الكسائي . اهـ.

      وعلى أن الواو صورة للهمزة والألف بعدها زائدة، فكيفية ضبط كلمات هذا الفصل أن تجعل الهمزة صفراء فوق الواو، وتجعل دارة حمراء على الألف علامة لزيادتها، وعلى هذا العمل عندنا، والألف في قوله: "ذكرا" للإطلاق، ونائب فاعل ذكر ضمير يعود على الخلاف في البيت قبل، وقوله: وفي "ينبؤا" بإسكان الهمزة على إجراء الوصل مجرى الوقف للوزن، وألف الأول بضم الهمزة بمعنى عهد، وألف الثاني بفتح الهمزة بمعنى حرف الألف.

      التالي السابق


      الخدمات العلمية