الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      ثم قال:


      وجاء أيضا عنهم في العالمين وشبهه حيث أتى كالصادقين


      ونحو ذريات مع آيات     ومسلمات وكبينات


      من سالم الجمع الذي تكررا     ما لم يكن شدد أو إن نبرا


      فثبت ما شدد مما ذكرا     وفي الذي همز منه شهرا


      والخلف في التأنيث في كليهما     والحذف عن جل الرسوم فيهما

      أخبر مع إطلاق الحكم الذي يشير به إلى اتفاق شيوخ النقل بأن الحذف جاء أيضا عن كتاب المصاحف في العالمين، وفي شبهه حيثما أتى في القرآن، وذلك الشبه كالصادقين، ونحو ذريات، وآيات، ومسلمات، وبينات، ثم ذكر ضابطا بين به شبه العالمين، فقال: من سالم الجمع الذي تكررا، أي: هو الجمع السالم المتكرر في القرآن مذكرا أو مؤنثا.

      ثم أخرج المشدد والمهموز من الجمع السالم بقسميه المذكر والمؤنث بقوله: ما لم يكن شدد أو إن نبرا، أي: همز؛ يعني ما لم يكن الجمع السالم بقسميه واقعا بعد ألفه شد أو همز مباشر، ثم ذكر حكم هذا المخرج، وهو المشدد والمهموز؛ فأخبر أن الحكم في المشدد المذكر ثبت الألف اتفاقا، وشهر الثبت في المهموز منه مع خلاف بعض المصاحف فيه بالحذف، وأن الخلف حاصل في جمع المؤنث في كلا قسميه المشدد والمهموز، والحذف وارد عن أكثر المصاحف في قسمي المؤنث.

      أما العالمين ففي: رب العالمين" أول الفاتحة، وأما شبهه من المذكر غير المشدد أو والمهموز [ ص: 38 ] فنحو: والله محيط بالكافرين ، إن كنتم صادقين ، وهم فيها خالدون ، ومن المؤنث نحو: فيه ظلمات ورعد ، وكذبوا بآياتنا ، آيات بينات ، من ظهورهم ذريتهم ، وأما المذكر المشدد فنحو: ولا الضالين ، وما هم بضارين ، وإنا لنحن الصافون ، والمهموز منه نحو: ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ، بياتا أو هم قائلون .

      وأما المؤنث المشدد فنحو: فوقهم صافات ، والصافات صفا .

      والمهموز منه نحو: والصائمات ، سائحات ، ولم يوجد في القرآن جمع مؤنث سالم فيه ألف واحدة مهموز ما بعدها أو مشدد.

      والحكم الذي ذكره الناظم في المشدد والمهموز من الجمع المؤنث بالنسبة إلى كل من ألفيه، وأما غير المشدد والمهموز من الجمع المؤنث ذي الألفين فسينص عليه قريبا، والعمل عندنا في المهموز من الجمع المذكر على ما شهر من الإثبات، إلا التائبون، والسائحون بالتوبة، والصائمين بالأحزاب، فاقتصر أبو داود فيها على الحذف للنظائر المجاورة لها، وعليه عملنا ولم يستثنها الناظم، والعمل في المشدد والمهموز من جمع المؤنث على ما في أكثر المصاحف من الحذف.

      واعلم أن مما يشمله ضابط الناظم ما ألفه مبدلة من همزة نحو: "مستانسين"، لورش، ويلزم من ذلك حذف صورة الهمزة فيه لقالون ضرورة أن المحذوف في رواية ورش، وهو الألف، هو بعينه صورة الهمزة في رواية قالون؛ ولذا لم يحتج إلى استثنائه في باب الهمز مع: الرؤيا، وادارأتم.

      ومما يشمله أيضا ما كانت ألفه مصاحبة للام نحو: لاعبين ، اللاعنون ، وما شمله أيضا بعض الجموع السالمة التي تغير فيها بناء مفردها للتخفيف، ك: قربات ، فإن قالون يسكن مفردها وهو قربة، ومما يشمله أيضا الملحقات بالجمع السالم، وإن لم تكن جمعا حقيقة، ولا فرق بين ما جرى منها مجرى المذكر أو المؤنث، فالأول نحو: وإنا له لحافظون ، ونحن الوارثون ، وكنا بكل شيء عالمين ، مما استعمل في جانب الله تعالى على جهة التعظيم.

      والثاني نحو: عرفات ، وأولات ، ويدل على شموله لهذه الملحقات قوله: في: العالمين ، وشبهه حيث جعل الحذف أصلا في: العالمين الملحق بالجمع، ثم حمل عليه شبهه من الجمع السالم، وساوى بين الجمع والملحق [ ص: 39 ] به في الحكم.

      وأما ثلاثون المرفوع وغير المرفوع و: ثمانين ، وإن كان من الملحق بالجمع المذكر فقد نص على حذفهما فيما بعد هذا الباب مع نظائرهما.

      أما باب آمنين ، آخذين ، و: الآمرون ، وآخرين ، و: آيات و: المنشآت مما وقع فيه قبل الألف همزة في قسمي الجمع السالم، فسيأتي حكمه في باب الهمز عند قول الناظم: "وما يؤدي لاجتماع الصورتين" البيت.

      ومن هنا تعلم أن تمثيل الناظم هنا بآيات للحذف إنما هو بالنسبة للألف التي بعد الياء فقط.

      أما: "أمهات". "وأخوات"، "وبنات"، فكل منها جمع سلامة لمؤنث، وسينص في هذا الباب على حذف بنات في ثلاثة مواضع فقط، وعلى إثبات عدة كلمات من الجمع السالم مع خلف في بعضها، وسينص فيه أيضا على أنواع أخر من الجمع السالم لم يذكرها الشيخان مع أمثلة ضابط الجمع المذكور.

      وبهذا كله تعلم أنه لا بد في الحكم بالحذف أو الإثبات في الجمع السالم بقسميه من ملاحظة ما ذكره الناظم هنا وفيما سيأتي، ولا يقتصر في ذلك على مجرد ضابط الجمع المذكور، ولا يخفى أنه لا يدخل في ضابط الناظم نحو: "مرضات"، و: "تقية"، و: "أموات" و: "أصوات" إذ ليس واحد منها جمع مؤنث سالما، أما الأولان فمفردان، وأما الأخيران فجمعا تكسير.

      تنبيهان:

      الأول: مراد الناظم بالمشدد والمهموز في قسمي المذكر والمؤنث في قوله: "ما لم يكن شدد أو إن نبرا" ما كان الشد والهمز فيه بعد الألف مباشرا كما صرح به الشيوخ وتقدمت أمثلته، لا غير المباشر ولا المتقدم نحو: الحواريون في الرفع وربانيون" كذلك، ونحو: الصادقين ، وذريات"، في المشدد ونحو: "خاطئون"، ومالئون، ونحو: ءامنون، منشأات، في المهموز.

      أما عدم دخول ما كان الشد المتأخر فيه غير مباشر فمن قوله: "وفي الحواريين أثبته" إذ لو دخل في المشدد المثبت لما احتاج إلى التنصيص على إثباته ثانيا، ويلزم مثله في الهمز؛ إذ هما باب واحد، وأما عدم دخول ما تقدم فيه الشد فمن تمثيله ب: الصادقين ، و: ذريات، لغير المشدد، ويلزم مثله في الهمز أيضا.

      التنبيه الثاني: مراد الناظم بالمتكرر في قوله: "من سالم الجمع الذي تكررا" ما وقع في القرآن في ثلاثة مواضع فأكثر على ما صححه [ ص: 40 ] اللبيب في حد كثرة الدور التي عبر بها غير الناظم في ضابط الجمع كالشيخين، وتعبير الناظم بالمتكرر غير موف بذلك؛ لصدقه بما وقع مرتين بخلاف التعبير بكثرة الدور فإنه موف به، والجواب عن الناظم أنه لما مثل آخر الباب للمنفرد؛ وهو غير المتكرر بما وقع مرتين علم أن مراده بالمتكرر هنا ما فوق الاثنين، وأيضا فإن هذا الشرط لما لم يكن متحتما، وإنما هو غالب كما سيذكره الناظم آخر الباب تساهل في التعبير عنه، ولو أسقطه بالكلية ما أخل بالحكم.

      وقوله: وشبهه بالجر عطف على العالمين، وقوله: ونحو بالجر أيضا عطف على الصادقين، وقوله: "ذريات"، يقرأ بترك التنوين للوزن، وإن في قوله: أو إن نبرا زائدة، ونبر بتخفيف الباء فعل ماض مبني للنائب، من النبر، وهو الهمز، وثبت من قوله: فثبت ما شدد خبر مبتدأ محذوف، أي: فالحكم ثبت ما شدد ومراده بالرسوم هنا المصاحف.

      التالي السابق


      الخدمات العلمية