الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      "مقدمة" الرسم قسمان: قياسي وتوقيفي، ويسمى القسم الثاني [ ص: 32 ] بالاصطلاحي نسبة لاصطلاح الصحابة رضي الله عنهم.

      فالرسم القياسي هو تصوير الكلمة بحروف هجائها على تقدير الابتداء بها، والوقف عليها، ولهذا أثبتوا صورة همزة الوصل، وحذفوا صورة التنوين وفيه تآليف مخصوصة به.

      والرسم التوقيفي علم تعرف به مخالفات خط المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي، وهو المؤلف فيه هذا الرجز، وأصوله المتقدمة وغيرها.

      والمراد بأصول الرسم القياسي قواعده المقررة فيه، ويرادف الرسم الخط والكتابة، والزبر والسطر، والرقم، والرشم بالشين المعجمة، وإن غلب الرسم بالسين المهملة في خط المصاحف.

      وموضوع الرسم التوقيفي حروف المصاحف العثمانية من حيث الحذف والزيادة والإبدال والفصل والوصل، ونحو ذلك.

      ومن فوائده تمييز ما وافق رسم المصاحف من القراءات، فيقبل وما خالفه منها فيرد، حتى لو نقل وجه من القراءات متواتر ظاهر الوجه في العربية إلا أنه مخالف لرسم المصاحف فإن كانت مخالفته من نوع المخالفات المسطورة في الفن قبلت القراءة وإلا ردت.

      وموافقة القراءة لخط المصحف ولو تقديرا هي أحد الأركان الثلاثة التي عليها مدار قبول القراءات.

      والركن الثاني: موافقة وجه ما من وجوه النحو سواء كان أفصح، أو فصيحا.

      والركن الثالث: التواتر. وقد أجمع أهل الأداء وأئمة القراء على لزوم تعلم مرسوم المصاحف فيما تدعو إليه الحاجة، واعلم أن أكثر رسم المصاحف موافق لقواعد الرسم القياسي، وقد خرجت عنها أشياء منها ما عرف حكمه، ومنها ما غاب عنا علمه، ولم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق بل لأمر عندهم قد تحقق، وأعظم فوائد ذلك كما ذكره بعض العلماء أنه حجاب منع أهل الكتاب أن يقرأوه على وجهه دون موقف.

      (هذا) وقد تقدم لك أنه ورد عدة أحاديث في طلب الاقتداء بالصحابة فيما فعلوه، ومما فعلوه مرسوم المصاحف، وقد أجمعوا عليه وهم -رضي الله عنهم- اثنا عشر ألفا فيجب علينا اتباعهم، وتحرم علينا مخالفتهم في ذلك؛ فيجب على كل من أراد كتابة مصحف أن يكتبه على مقتضى الرسم العثماني، فإن كتبه على مقتضى الرسم القياسي، فقد خالف [ ص: 33 ] الأحاديث الواردة في طلب الاقتداء بالصحابة، وخالف ما أجمع عليه الصحابة، وخرق إجماع من بعدهم من علماء الأمة، قال أشهب: سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا. إلا على الكتابة الأولى: رواه الداني في المقنع، وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء، أو ألف، أو غير ذلك، وقد نقل الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني، وقال في المقنع بعد أن ذكر جواب مالك المتقدم، ولا مخالف لمالك من علماء الأمة. ا ه.

      وهذا كله يرجع إلى مصطلح الرسم، وأما النقط والشكل ونحوهما فقد قدمنا الخلاف فيها عند قول الناظم: ومالك حض على الإتباع لفعلهم، إلخ.

      وكما لا تجوز مخالفة خط المصاحف في رسم القرآن لا يجوز لأحد أن يطعن في شيء مما رسمه الصحابة في المصاحف; لأنه طعن في مجمع عليه; ولأن الطعن في الكتابة كالطعن في التلاوة، وقد بلغ التهور ببعض المؤرخين إلى أن قال في مرسوم الصحابة ما لا يليق بعظيم علمهم الراسخ، وشريف مقامهم الباذخ فإياك أن تغتر به.

      وهذا إذا قلنا أن مرسوم المصاحف: اصطلاح من الصحابة، وأما إذا قلنا: إنه من إملاء النبي صلى الله عليه وسلم على سيدنا زيد بن ثابت، من تلقين جبريل عليه السلام كما نقله بعض العلماء، فالطاعن فيه طاعن فيما هو صادر من النبي صلى الله عليه وسلم، ويشهد لكونه من إملائه صلى الله عليه وسلم ما ذكره صاحب الإبريز عن شيخه العارف بالله سيدي عبد العزيز الدباغ أنه قال: رسم القرآن سر من أسرار المشاهدة وكمال الرفعة، وهو صادر من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن، ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها ونحو ذلك لأسرار لا تهتدي إليها العقول إلا بالفتح الرباني، وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فكما أن نظم القرآن معجز فرسمه معجز أيضا. ا ه باختصار.

      التالي السابق


      الخدمات العلمية