الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قال مؤلف الكتاب : فلما استقر قرار المهاجرين إلى الحبشة اجتهد المشركون [ ص: 381 ] في كيدهم ، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي بهدايا ليسلمهم إليهم .

أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن علي قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال:

أخبرني يعقوب قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة قالت:

لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين ، وأن يهدوا له هدايا مما يستطرف من متاع مكة وأمروهم أمرهم وكان أعجب ما يأتيهم منها الأدم ، فجمعوا له أدما كثيرا ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية ، ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، وأمروهم أمرهم ، وقالوا لهما:

ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم ، فخرجا فقدما على النجاشي فدفعا إلى كل بطريق هديته وقالا لهم: إنه قد صبأ إلى بلاد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه تسليمهم إلينا ولا نكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا . فقالوا: نعم . ثم قربا هداياهم إلى النجاشي ، فقبلها منهم ، ثم تكلما ، فقالا له: إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لنردهم إليهم ، فهم أعلى بهم [ ص: 382 ] وأعلم بما عابوا عليهم . فقال بطارقته: صدقوا فأسلمهم إليهما . فغضب النجاشي وقال: لا وايم الله ، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني .

ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [فدعاهم] فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن ، فلما جاءوه وقد دعى النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم ، فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين آخر من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب . فقال له:

أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، يأكل القوي منا الضعيف ، وكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى إلينا رسولا منا نعرف صدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباءنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن: الفواحش ، وقول الزور وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا: أن نعبد الله لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءنا به فعبدنا الله عز وجل وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم الله علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان ، وأن يستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت: فقال لهم النجاشي: هل معك مما جاء

[ ص: 383 ]

به عن الله عز وجل؟ فقال له جعفر: نعم: قال: فاقرأه علي فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم . ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ، ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فو الله لا أسلمكم إليهما أبدا . قالت: فلما خرجنا من عنده ، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم . فقال له عبد الله بن أبي ربيعة ، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل ، فإن لهم أرحاما . قال: فو الله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد ، قالت: ثم غدا عليه الغد ، فقال له: أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم ، فاسألهم عما يقولون فيه .

قالت: فأرسل إليهم ، فسألهم عنه؟ قالت: ولم يزل بنا مثلها ، فاجتمع القوم ، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله عز وجل ، وما جاء به نبينا ، كائن في ذلك ما هو كائن ، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ قال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم: "هو عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول" قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود . ثم قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سلم عزم ، من سلم [عزم ، من سلم عزم ، ما أحب أن أدير ذهبا وأني آذيت منكم رجلا . والدير بلسان الحبشة: الحبل] ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لنا بها ، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه .

قالت: فخرجا من عنده مقبوحين ، مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار وخير جار .

قالت: فو الله إنا على ذلك فأنزل به من ينازعه في ملكه .

قالت: فو الله ما علمنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الملك على النجاشي [فلا يعرف من حقنا ما كان يعرفه] . [ ص: 384 ]

قال: فسار النجاشي وبينهما عرض النيل ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[هل] من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ .

قالت: فقال الزبير: أنا . قالت: وكان من أحدث القوم سنا . قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم .

قالت: ودعونا الله عز وجل للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده ، فاستوثق له أمر الحبشة . فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة .

التالي السابق


الخدمات العلمية