الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الْمَكْرُوهِ . وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصًّا أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا قَاطِعًا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَرَامِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ مِنْهَا : فتح القدير ( كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ ) أَوْرَدَ الْكَرَاهِيَةَ بَعْد الْأُضْحِيَّةِ ; لِأَنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَمْ تَخْلُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ تَرِدُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ ; أَلَا يَرَى أَنَّ التَّضْحِيَةَ فِي لَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ مَكْرُوهَةٌ ، وَكَذَا التَّصَرُّفُ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِجَزِّ صُوفِهَا وَحَلْبِ لَبَنِهَا وَإِبْدَالِ غَيْرِهَا مَكَانَهَا ، وَكَذَلِكَ ذَبْحُ الْكِتَابِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ كَذَلِكَ كَذَا فِي الشُّرُوحِ . ثُمَّ إنَّ عِبَارَاتِ الْكُتُبِ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ ، فَقَدْ سَمَّاهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِاسْمِ الْكَرَاهِيَةِ ، وَعَلَيْهِ وَضَعَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ ، وَسَمَّاهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَعَلَيْهِ كُتُبُ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِنَا كَالْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَالْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي وَغَيْرِهَا ، وَسَمَّاهُ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَتَبِعَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي التُّحْفَةِ وَالتَّتِمَّةِ وَالْإِيضَاحِ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا . أَمَّا وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالْكَرَاهِيَةِ فَلِأَنَّ بَيَانَ الْمَكْرُوهِ أَهَمُّ لِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ . وَأَمَّا وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالِاسْتِحْسَانِ فَلِأَنَّ فِيهِ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَمَا قَبَّحَهُ وَلَفْظُ الِاسْتِحْسَانِ أَحْسَنُ فَلُقِّبَ بِهِ ، أَوْ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَسَائِلِهِ اسْتِحْسَانٌ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا ، وَأَمَّا وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَلِأَنَّ الْحَظْرَ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةَ الْإِطْلَاقُ ، وَفِيهِ مَا مَنَعَ عَنْهُ الشَّرْعُ وَمَا أَبَاحَهُ . كَذَا ذَكَرَ وَجْهَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحُ الْمُخْتَارِ . وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ : ثُمَّ إنَّ الْكَرَاهِيَةَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ كَرِهَ الشَّيْءَ كَرْهًا وَكَرَاهَةً وَكَرَاهِيَةً ، قَالَ فِي الْمِيزَانِ : هِيَ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } فَالْمَكْرُوهُ خِلَافُ الْمَنْدُوبِ وَالْمَحْبُوبِ لُغَةً ، وَالْكَرَاهَةُ لَيْسَتْ بِضِدٍّ لِلْإِرَادَةِ عِنْدَنَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَارِهٌ لِلْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي : أَيْ لَيْسَ بِرَاضٍ بِهِمَا وَلَا مُحِبٍّ لَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ . وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هِيَ ضِدُّ الْإِرَادَةِ أَيْضًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْكَلَامِ ، وَأَمَّا مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ فِي الشَّرِيعَةِ فَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ ( قَوْلُهُ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الْمَكْرُوهِ ) يَعْنِي اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّرْعِ فِي مَعْنَى الْمَكْرُوهِ ، فَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا قَاطِعًا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَرَامِ فَكَانَ نِسْبَةُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْحَرَامِ عِنْدَهُ كَنِسْبَةِ الْوَاجِبِ إلَى الْفَرْضِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَالثَّانِيَ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ . ثُمَّ إنَّ هَذَا حَدُّ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَإِلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرُوا فِي الْكُتُبِ ، وَلِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا كَلِمَاتٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ لَا حَاصِلَ لَهَا تَرَكْنَا التَّعَرُّضَ لَهَا لِمَا فِي تَضَاعِيفِهَا مِنْ الِاخْتِلَالِ كَرَاهَةَ الْإِطْنَابِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية