الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( والخطأ على نوعين : خطأ في القصد ، وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا ، فإذا هو آدمي ، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم وخطأ في الفعل ، وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا ، وموجب ذلك الكفارة ، والدية على العاقلة ) لقوله تعالى { فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } الآية ، وهي على عاقلته في ثلاث سنين ، [ ص: 214 ] لما بيناه ( ولا إثم فيه ) يعني في الوجهين

قالوا : المراد إثم القتل ، فأما في نفسه فلا يعرى عن الإثم من حيث ترك العزيمة والمبالغة في التثبت في حال الرمي ، إذ شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى ( ويحرم عن الميراث ) ; لأن فيه إثما فيصح تعليق الحرمان به ، بخلاف ما إذا تعمد الضرب موضعا من جسده فأخطأ فأصاب موضعا آخر فمات حيث يجب القصاص ; لأن القتل قد وجد بالقصد إلى بعض بدنه ، وجميع البدن كالمحل الواحد

التالي السابق


( قوله : والخطأ على نوعين : خطأ في القصد ، وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي ، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم ، وخطأ في الفعل وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا ) أقول : في عبارة الكتاب ها هنا تسامح ، فإنه قال في تفسير الخطإ في القصد : وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا إلخ

وقال في تفسير الخطإ في الفعل : وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا

ولا يخفى أن كل واحد من نوعي الخطإ غير منحصر بما ذكره في تفسيره ، بل الذي ذكره في تفسير كل واحد منهما جزئي من جزئياته فكان أخص منه جدا فلم يصلح لأن يكون تفسيرا له ، فكان الظاهر أن يقال في كل واحد منهما ، وهو نحو أن يرمي أو هو كأن يرمي إشارة إلى العموم ، كما تداركه صاحب الوقاية حيث قال : وفي الخطإ قصدا كرميه مسلما ظنه صيدا أو حربيا وفعلا كرميه غرضا فأصاب آدميا انتهى

ثم إن صدر الشريعة قال في شرح الوقاية : الخطأ ضربان : خطأ في القصد ، وخطأ في الفعل

فالخطأ في الفعل أن يقصد فعلا فصدر منه فعل آخر ، كما إذا رمى الغرض فأخطأ وأصاب غيره والخطأ في القصد أن لا يكون الخطأ في الفعل وإنما يكون الخطأ في قصده ، فإنه قصد بهذا الفعل حربيا لكن أخطأ في ذلك القصد حيث لم يكن ما قصده انتهى

ورد عليه صاحب الإصلاح والإيضاح حيث قال : من قال الخطأ في الفعل أن لا يصدر عنه الفعل الذي قصده بل يصدر فعل آخر فكأنه زعم أنه شرط في الخطإ في الفعل أن لا يصدر عنه الفعل الذي قصده بل يصدر عنه فعل آخر وليس كذلك ، فإنه إذا رمى غرضا فأصابه ثم رجع عنه أو تجاوز عنه إلى ما وراءه فأصاب رجلا يتحقق الخطأ في الفعل ، والشرط المذكور مفقود في الصورتين ، ثم إنه أخطأ من وجه آخر حيث اعتبر القصد فيه وذلك غير لازم ، فإنه إذا سقط من يده خشبة أو لبنة فقتل رجلا يتحقق الخطأ في الفعل ولا قصد فيه انتهى

أقول : كل من وجهي رده ساقط جدا

أما الأول فلأن صدر الشريعة لم يشترط في الخطإ في الفعل أن لا يصدر عنه الفعل الذي قصده ، بل قال : فالخطأ في الفعل أن يقصد فعلا فصدر عنه فعل آخر ، وهذا أعم من أن يصدر عنه الفعل الذي قصده كما صدر عنه فعل آخر ، ومن أن لا يصدر عنه الفعل الذي قصده

مثال الأول ما ذكره الراد من الصورتين ، ومثال الثاني : وهو الأكثر وقوعا ما ذكره صدر الشريعة بقوله كما [ ص: 214 ] إذا رمى الغرض فأخطأ ، بل يجوز أن يكون قوله كما إذا رمى الغرض فأخطأ عاما كصورتي صدور ما قصده أيضا وعدم صدوره كما لا يخفى على ذي فطانة

وأما الثاني فلأن تحقق الخطأ في الفعل في صورة إن سقط من يده خشبة أو لبنة فقتل رجلا ممنوع ، بل المتحقق هناك ما أجري مجرى الخطأ كالنائم ينقلب على رجل فيقتله لا نفس الخطأ ; إذ لا بد فيه من صدور فعل عنه باختياره ، وفي صورة إن سقط من يده شيء فقتل رجلا لم يصدر عنه فعل باختياره بل وقع السقوط بفعله لا باختيار فصار لا محالة من قبيل ما أجري مجرى الخطإ ، والكلام هنا في نفس الخطإ لا فيما أجري مجرى الخطإ فإنه قسم آخر من الأقسام الخمسة للجناية سيأتي ذكره مستقلا فيما بعد ( قوله ولا إثم فيه : يعني في الوجهين ) أقول : كان الأولى للمصنف أن يقول : يعني في كل واحد من الوجهين ; إذ يحصل حينئذ إصلاح إفراد الضمير أيضا




الخدمات العلمية