الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولا بأس بلبس الحرير والديباج في الحرب عندهما ) لما روى الشعبي { أنه عليه الصلاة والسلام رخص في لبس الحرير والديباج في الحرب } ولأن فيه ضرورة فإن الخالص منه أدفع لمعرة السلاح وأهيب في عين العدو لبريقه ( ويكره عند أبي حنيفة ) ; لأنه لا فصل فيما رويناه ، والضرورة اندفعت بالمخلوط وهو الذي لحمته حرير وسداه غير ذلك ، والمحظور لا يستباح إلا لضرورة . [ ص: 20 ] وما رواه محمول على المخلوط قال ( ولا بأس بلبس ما سداه حرير ولحمته غير حرير كالقطن والخز في الحرب وغيره ) لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يلبسون الخز ، والخز مسدى بالحرير ، ولأن الثوب إنما يصير ثوبا بالنسج والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة دون السدى . وقال أبو يوسف : أكره ثوب القز يكون بين الفرو والظهارة ، ولا أرى بحشو القز بأسا ; لأن الثوب ملبوس والحشو غير ملبوس . قال ( وما كان لحمته حريرا وسداه غير حرير لا بأس به في الحرب ) للضرورة ( ويكره في غيره ) لانعدامها ، والاعتبار للحمة على ما بينا .

التالي السابق


( قوله والمحظور لا يستباح إلا لضرورة ) قال بعض المتأخرين : قوله والمحظور لا يستباح إلا لضرورة يوهم أنه ما لحمته حرير وسداه غيره مباح في غير الحرب أيضا . فحق التعبير والضرورة اندفعت بإباحة الأدنى فلا حاجة إلى استباحة الأعلى ، ولو حملنا المعنى على المحظور لا يستباح إلا لضرورة فإذا أمكن اندفاعها بالأدنى منه لا يصار إلى استباحة الأعلى [ ص: 20 ] كان الكلام من قبيل الإيجاز المخل ، إلى هنا كلامه .

أقول : ليس هذا بشيء ، فإن جميع مقدماته مجروح . أما قوله والمحظور لا يستباح إلا لضرورة يوهم أن ما لحمته حرير وسداه غير مباح في غير الحرب أيضا ، فلأن ذلك الإيهام إنما يتصور أن لو تحققت الضرورة في غير الحرب أيضا وليس فليس . وأما قوله فحق التعبير والضرورة اندفعت بإباحة الأدنى فلا حاجة إلى استباحة الأعلى فلأن حق التعبير كيف يكون ذلك . ويرد عليه أن يقال : يجوز أن يكون استباحة الأعلى للتوسعة بها لا للحاجة إليها فلا بد في دفع ذلك من المصير إلى قول المصنف والمحظور لا يستباح إلا لضرورة . وأما قوله ولو حملنا المعنى إلى قوله كان الكلام من قبيل الإيجاز المخل فلأنه إنما يكون الكلام على ذلك المعنى من قبيل الإيجاز المخل أن لو كان قوله فإذا أمكن اندفاعها بالأدنى منه لا يصار إلى استباحة الأعلى مقدرا في كلام المصنف . وأما إذا كان مضمون ذلك القول مفهوما من المقدمة السابقة وهي قوله والضرورة اندفعت بالمخلوط كما هو حقيقة الحال فلا يوجد الإيجاز المخل في الكلام الذي ذكره المصنف كما لا يخفى ; وكأن ذلك البعض لم يلاحظ ارتباط هذه المقدمة . أعني قوله والمحظور لا يستباح إلا لضرورة بالمقدمة السابقة عليها ، وهي قوله والضرورة اندفعت بالمخلوط . ولا شك أن قوله والضرورة اندفعت بالمخلوط شروع في الجواب عن دليلهما العقلي ، وهو قولهما ولأن فيه ضرورة إلخ ، وقد اعترف به ذلك البعض في شرحه المقام . ثم لا يذهب على الفطن أن الجواب عن ذلك لا يتم بمقدمة واحدة ، فقوله والمحظور لا يستباح إلا لضرورة من تمام الجواب . والمعنى أن المحظور الشرعي لا يستباح إلا لضرورة ، والضرورة فيما نحن فيه قد اندفعت بالمخلوط الذي لحمته حرير وسداه غير ذلك ، فلا مجال لاستباحة الخالص منه ، فالمقدمة الثانية في تقرير المصنف مقدمة في المعنى إلا أنه أخرها في الذكر لكون مساس المقدمة الأولى بدليلها العقلي أكثر ، وتأثيرها في الجواب عن ذلك الدليل أظهر ، فلا غبار في كلام المصنف هاهنا أصلا تأمل ترشد .

( قوله وما رواه محمول على المخلوط ) أقول : فيه نظر ; لأن ما رواه ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في لبس الحرير والديباج في الحرب والحمل على المخلوط إن صح في الحرير لا يصح في الديباج ; لأن الديباج في اللغة والعرف ما كان كله حريرا . قال في المغرب الديباج الذي سداه ولحمته إبريسم . وقال الشراح : جملة وجوه هذه المسألة ثلاثة : الأول ما يكون كله حريرا وهو الديباج لا يجوز لبسه في غير الحرب بالاتفاق ، وأما في الحرب فعند أبي حنيفة لا يجوز وعندهما يجوز . والثاني ما يكون سداه حريرا ولحمته غيره فلا بأس بلبسه في الحرب وغيره . والثالث عكس الثاني وهو مباح في الحرب دون غيره ، فقد صرحوا في كلامهم هذا بأن الديباج ما كان كله حريرا فلا مجال للحمل على المخلوط في حقه .

( قوله ولأن الثوب إنما يصير ثوبا بالنسج والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة دون السدى ) قال جمهور الشراح في تعليل هذا ; لأن الحكم إذا [ ص: 21 ] تعلق بعلة ذات وصفين يضاف الحكم إلى آخرهما ، واللحمة آخرهما انتهى . وقال بعض المتأخرين : وقد يقال لأن الثوب لا يكون ثوبا إلا بهما ، والشيء إذا تعلق وجوده بشيئين يضاف إلى آخرهما وجودا .

أقول : لا يخفى أن المصنف لم يعتبر في التعليل كون اللحمة آخر جزء من الثوب ولم يلتفت فيه إلى المقدمة القائلة : إذا تعلق وجود شيء بشيئين يضاف إلى آخرهما وجودا ، فيكون كل مما ما ذكر دليلا مستقلا منقطعا على الآخر يرشدك إليه قول الزيلعي : لأن الثوب لا يصير ثوبا إلا بالنسج والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة . أو نقول : الثوب لا يكون ثوبا إلا بهما فتكون العلة ذات وجهين فيعتبر آخرهما وهو اللحمة انتهى .

لكن لا يخفى عليك أن القول بأن النسج يكون باللحمة وهم بل هو باللحمة والسدى معا فالتعويل على الدليل الثاني ، ولهذا عدل عنه صاحب الكافي وقال : ولأنه بالنسج يصير ثوبا وهو باللحمة والسدى فيضاف كونه ثوبا إلى آخر الأمرين وهو اللحمة ، وجعلت حكما في الإباحة . ثم الفرق بين ما ذكره المصنف وبين ما نقلناه من الدليلين مع كونه ظاهرا خفي على بعض الشراح حيث علل الأول بالثاني ، إلى هنا لفظ ذلك البعض . أقول : لم يصب ذلك في رأيه هاهنا ، بل خرج عن سنن السداد ، إذ لا يخفى على ذي مسكة أن الدليل الذي ذكره المصنف لا يفيد المدعي بدون المصير إلى المقدمة القائلة إن الحكم إذا تعلق بشيئين يضاف إلى آخرهما ; لأن النسج إنما يحصل باللحمة والسدى معا لا باللحمة وحدها إذ النسج إنما هو تركيب اللحمة بالسدى كما صرحوا به فلا يثبت كون الاعتبار باللحمة دون السدى إلا بملاحظة تلك المقدمة ، فإذا لم يفد ما ذكره المصنف المدعي بدون المصير إلى تلك المقدمة لم يبق احتمال أن يكون هذا دليلا مستقلا وتلك المقدمة دليلا آخر ، فلا جرم نبه جمهور الشراح على كون تلك المقدمة معتبرة فيما ذكره المصنف بضمهم إياها إليه بطريق التعليل لقوله فكانت هي المعتبرة دون السدى وأصابوا فيما فعلوا حيث حملوا الدليل الذي ذكره المصنف على المعنى الصحيح التام مع تحمل كلامه إياه ، فإن عدم اعتباره في التعليل كون اللحمة آخر جزء من الثوب ليس اعتبارا لعدمه ، وعدم التفاته فيه إلى التصريح بتلك المقدمة يجوز أن يكون بناء على ظهور اعتبارها فيه واعتمادا على تقرره في كلمات المشايخ ، وليس في كلامه ما يمنعه فإنه قال : والنسج باللحمة بدون القصر عليها فكأنه قال : وتمام النسج أو آخر النسج باللحمة .

والعجب من ذلك البعض أنه مع اعترافه ببطلان ما ذكره المصنف بدون اعتبار حديث إضافة الحكم إلى آخر الجزأين حيث قال : لكن لا يخفى عليك أن القول بأن النسج يكون باللحمة وهم ، بل هو باللحمة والسدى معا جعل ما ذكره المصنف دليلا مستقلا بدون المصير إلى تلك المقدمة فاختار بطلان ما ذكره المصنف في التعليل حينئذ ، وشنع على الشراح المصلحين كلامه بعدم الفرق بين ما ذكره المصنف وغيره ، وما غره إلا عبارة الزيلعي ، ولم ينظر أو لم يلتفت إلى ما وقع في كلام فحول المشايخ من جعل المجموع دليلا واحدا منهم صاحب البدائع فإنه قال في تقرير الدليل المذكور إن الثوب يصير ثوبا باللحمة ; لأنه إنما يصير ثوبا بالنسج ، والنسج تركيب اللحمة بالسدى فكانت اللحمة كالوصف الأخير فيضاف الحكم إليه انتهى .

ومنهم صاحب المحيط فإنه أيضا قال في تقرير ذلك : لأن الثوب إنما يصير ثوبا بالنسج ، والنسج إنما يتأتى باللحمة آخرهما فيضاف صيرورته ثوبا على اللحمة ، فإذا كانت اللحمة من الحرير كان الكل حريرا حكما انتهى .

ومنهم صاحب الكافي فإنه أيضا جمع كما نقله ذلك البعض ، ثم إنه يجوز أن يكون مراد الزيلعي بقوله أو نقول إلخ تقرير ذلك الدليل بعبارة أخرى من غير تعرض لقيد النسج لا ذكر دليل آخر مستقل مغاير للأول في المعنى والمآل ، يرشد إليه أنه قال بعد ذلك : ولأن اللحمة هي التي تظهر في المنظر فتكون العبرة بما يظهر دون ما يخفى انتهى حيث أعاد حرف التعليل وهي اللام في هذا الدليل إشارة إلى استقلاله .

فلو كان مراده بما ذكره بقوله أو نقول إلخ إيراد دليل آخر مستقل لأعاد اللام فيه أيضا تبصر




الخدمات العلمية