الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإيلاء

باب الإيلاء

( قال ) : رضي الله تعالى عنه الإيلاء - في اللغة - هو اليمين قال القائل : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت ، - وفي الشريعة - عبارة عن يمين يمنع جماع المنكوحة ، هكذا نقل عن إبراهيم رحمه الله تعالى ، وقد كان الإيلاء طلاقا في الجاهلية فجعله الشرع طلاقا مؤجلا بقوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر . } وإذا حلف الرجل لا يجامع امرأته أبدا أو لم يقل أبدا فهو مول ; لأن مطلق اللفظ فيما يتأبد يقتضي التأبيد وبعدما صار موليا إن جامعها قبل تمام أربعة أشهر فعليه كفارة [ ص: 20 ] اليمين لوجود شرط الحنث وقد سقط الإيلاء ; لأن ثبوت حكم الإيلاء بقصده الإضرار والتعنت بمنع حقها بالجماع ، وقد زال ذلك حين أوفاها حقها ، وهو الفيء المذكور في قوله تعالى { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } لأن الفيء عبارة عن الرجوع يقال : فاء الظل إذا رجع وقد رجع عما قصد من الإضرار حين جامعها ، ولهذا قال بعض الناس ليس عليه كفارة ; لأن الله تعالى وعده بالرحمة والمغفرة بقوله تعالى : { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } ولكنا نقول حكم الكفارة عند الحنث ثابت بقوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته } الآية . ، وإن مضت المدة قبل أن يفيء إليها طلقت تطليقة بائنة عندنا ، وكان معنى الإيلاء إن مضت أربعة أشهر ، ولم أجامعك فيها فأنت طالق تطليقة بائنة هكذا نقل عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين قالوا : عزيمة الطلاق مضي المدة ، وعند الشافعي لا يقع الطلاق بمضي المدة ، ولكنه يوقف بعد المدة حتى يفيء إليها أو يفارقها فإن أبى أن يفعل فرق القاضي بينهما ، وكان تفريقه تطليقة بائنة .

والكلام في فصلين ( أحدهما ) أن عنده الفيء بعد مضي المدة ; لأن الله تعالى قال : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } فبين أن هذه المدة للزوج لا عليه وإنما تكون المدة له إذا كان الأمر موسعا عليه ، والتضييق بعده فأما إذا كان مطالبا بالجماع في المدة فلا تكون المدة له ثم قال الله تعالى : { فإن فاءوا } وحرف الفاء للتعقيب . عرفنا أن الفيء الذي يؤمر به الزوج بعد مضي المدة وعندنا الفيء في المدة بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ( فإن فاءوا فيهن ) . وقراءته لا تتخلف عن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتقسيم في قوله تعالى { وإن عزموا الطلاق } دليل على أن الفيء في المدة وعزيمة الطلاق بعده كما في قوله تعالى { فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } ، والإمساك بالمعروف بالمجامعة في المدة ، والتسريح بالإحسان بتركها حتى تبين بمضي المدة ، وهذا التربص مشروع للزوج ; لأن الإيلاء كان طلاقا معجلا فجعل الشرع للزوج فيه مدة أربعة أشهر حتى مكنه من التدارك في المدة وجعل الطلاق مؤخرا إلى ما بعد المدة .

( والفصل الثاني ) أن الفرقة عنده ، لا تقع إلا بتفريق القاضي بينهما أو بإيقاع الزوج الطلاق ; لأن الله تعالى قال : { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } . وهو إشارة إلى أن عزيمة الطلاق بما هو مسموع وذلك بإيقاع الطلاق أو تفريق القاضي ، والمعنى فيه أن التفريق بينهما لدفع الضرر عنها عند فوت الإمساك بالمعروف ، فلا يقع إلا بتفريق القاضي كفرقة العنين ، فإن بعد مضي المدة [ ص: 21 ] هناك لا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي بل أولى ; لأن الزوج هناك معذور وهنا هو ظالم متعنت ، والقاضي منصوب لإزالة الظلم فيأمره أن يوفيها حقها ، أو يفارقها ، فإن أبي ناب عنه في إيقاع الطلاق وهو نظير التفريق بسبب العجز عن النفقة على قوله .

( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { وإن عزموا الطلاق } فذكر عزيمة الطلاق بعد ذكر المدة ، فهو إشارة إلى أن ترك الفيء في المدة عزيمة الطلاق عند مضي المدة وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { عزيمة الطلاق مضي أربعة أشهر } وقد أضاف إلى الزوج فدل أن الطلاق يتم به من غير حاجة إلى قضاء القاضي ، ومعنى قوله تعالى { فإن الله سميع عليم } سميع لإيلائه عليم بقصده الإضرار ; ولأن هذه المدة مدة تربص بعدما أظهر الزوج من نفسه أنه غير مريد لها فتبين بمضيها كمدة العدة بعد الطلاق الرجعي ، ولا فرق ; لأن هناك الزوج بالطلاق يظهر كراهية صحبتها فيصير في المعنى كأنه علق البينونة بمضي المدة قبل أن يراجعها ، وهنا هو بيمينه يظهر كراهيتها فيصير كأنه علق البينونة بمضي الوقت قبل أن يفيء إليها ، ولهذا جعلنا الواقعة تطليقة بائنة ; لأن المقصود دفع ضرر التعليق عنها ، وذلك لا يحصل بالتطليقة الرجعية ، ولكن العدة هنا تجب هنا بعد وقوع الطلاق بمضي المدة ; لأن وقوع الطلاق بعده ، وهناك الطلاق كان واقعا فجعلنا الأقراء محسوبة من العدة ، وكذلك لو حلف لا يقربها أبدا ; لأن القربان متى ذكر مضافا إلى النساء فالمراد به الجماع ، وإن قال الزوج لم أعن الجماع لم يصدق في القضاء ; لأنه قصد تغيير اللفظ عن الظاهر المتعارف فلا يصدق في القضاء هنا ، ولا في الفصل الأول ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأن حقيقة معنى الجماع هو الاجتماع ففيما نوى به مما سوى الجماع هو محتمل فيدين فيما بينه وبين الله تعالى ، وإن حلف لا يدخل عليها وقال : لم أعن الجماع فهو مصدق في القضاء ; لأن الدخول عليها لفظ مشترك يستعمل في الجماع والزيارة وغير ذلك فالمنوي غير مخالف للظاهر ، وحرف الصلة يدل عليه وهو " على " فإنه إذا كان المراد الجماع يقال : دخل بها .

وكذلك لو حلف ليغيظنها أو ليسؤنها ، أو لا يجمع رأسه ورأسها شيء ، أو لا يمسها ، وفي نسخ أبي سليمان أو لا يلامسها فهذه الألفاظ تطلق في الجماع ، وغير الجماع فإن نوى بها الجماع كان موليا وإن نوى غير الجماع لم يكن موليا ، لأن المولي من لا يتمكن من الجماع في المدة ، إلا بشيء يلزمه حتى يتحقق إضراره بمنع حقها في الجماع ، وإن حلف لا يمس جلده جلدها وعنى به حقيقة المس ، فالحنث هنا يحصل بدون الجماع [ ص: 22 ] فلا يكون إيلاء ويمكنه أن يجامعها من غير أن يلزمه شيء بأن يلف آلته في حريرة ، ثم يدسه فيها وقال في رواية أبي حفص : رحمه الله تعالى إذا حلف لا يأتيها وعنى الجماع فهو مول ، وإن قال لم أعن الجماع صدق في القضاء مع يمينه ; لأن الإتيان قد يراد به الجماع ، ويراد به الزيارة أو الضرب فكان اللفظ محتملا ، والمحتمل لا يوجب شيئا بدون النية ، وكذلك لو حلف لا يغشاها فهو مدين في القضاء ; لأن الغشيان يراد به الجماع قال الله تعالى : { فلما تغشاها } ويراد به غير الجماع قال الله تعالى : { وإذا غشيهم موج . } وكذلك لو حلف لا يقرب فراشها فلفظ القرب إضافة إلى فراشها لا إليها ، ولذلك يحتمل الجماع وغيره ، فإن عنى الجماع فهو مول وإلا فليس بمول ; لأنه يتمكن من أن يجامعها من غير حنث إما على الأرض أو بأن تدخل هي فراشه من غير أن يقرب هو فراشها ، وإن حلف لا يباضعها فهو مول ، ولا يصدق في القضاء ; لأن ظاهر اللفظ للجماع ، فإن المباضعة إدخال البضع في البضع فلا يصدق في صرف اللفظ عن ظاهره ، وكذلك لو حلف لا يغتسل منها من جنابة ; لأن الاغتسال منها إنما يكون بالجماع في الفرج خاصة فأما الجماع فيما دون الفرج يكون اغتسالا من الإنزال لا منها ، وإن كان ظاهر لفظه للجماع في الفرج لم يصدق في صرف اللفظ عن ظاهره وكان موليا بمنعه حقها بيمينه . فإن حقها في الجماع في الفرج لا فيما دونه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث