الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما القسم الثاني : وهو أن تدخل السنة الثانية والسنة الثالثة وهي بائن منه وذلك قد يكون من أحد وجهين :

                                                                                                                                            إما أن يكون قد طلقها في السنة الأولى بعد الطلقة الأولى طلقتين فاستكمل طلاقها ثلاثا فلا تطلق بدخول السنة الثانية والثالثة وإن كانت في عدتها لاستيفاء ما ملكه من طلاقها .

                                                                                                                                            وإما بأن تقضي عدتها من الطلقة الأولى في السنة الأولى فتدخل السنة الثانية والسنة الثالثة وهي غير زوجة فلا تطلق بدخولها ، لأنها قد صارت بانقضاء العدة أجنبية وهو قول جمهور الفقهاء لا أعرف فيه خلافا إلا ما حكي عن بكر بن الأشج أنها تطلق بدخول السنة الثانية والثالثة . [ ص: 22 ] وإن كانت بائنا منه ، لأن عقد طلاقها كان وهي زوجة ويكون تأثيره ألا تحل له إلا بزوج ، وهذا خطأ ، لأنها في حال لو باشرها بالطلاق المعجل لم يقع عليها ، فإذا صادفها طلاق مؤجل فأولى ألا يقع عليها ولأن الصفة بدخول السنة الثانية والثالثة قد تأتي وهي زوجة لغيره فتطلق تحت زوج من غيره وربما طلقها زوجها فتصير طالقا من زوجين ، وهذا مستحيل .

                                                                                                                                            ولأنه لو علق عتق عبده بصفة ثم باعه ثم وجدت الصفة لم يعتق وإن عقدها في ملكه فكذلك الزوجة .

                                                                                                                                            وفيه رد عما تعلق به .

                                                                                                                                            وإذا لم يلحقها الطلاق فلو تزوجها بعد السنة الثالثة لم تطلق بدخول ما بعدها من السنين لأن ما بعد الثالثة لم يجعل أجلا لطلاقها ولا صفة فيه ولذلك توصلنا بالخلع إلى رفع ما علق به من الطلاق الثلاث من الشروط والصفات مثل أن يقول لها : إن دخلت الدار وإن كلمت زيدا فأنت طالق ثلاثا ، فلا تجد بدا من دخول الدار ، ومن كلام زيد ، فيخالفها على طلقة ثم تدخل الدار وتكلم زيدا وهي في العدة فلا تطلق ، لأنها مختلعة بائن ، والمختلعة لا يلحقها طلاق ، ثم يستأنف العقد عليها من وقته إن شاء وهي في العدة فإذا دخلت بعد أن تزوجها الدار وكلمت زيدا لم تطلق ، لأن الصفة إذا لم يقع بها الطلاق عند وجودها سقطت فلم يكن لها بعد ذلك حكم .

                                                                                                                                            وهذا مما وافقنا عليه أبو حنيفة .

                                                                                                                                            وقال مالك وأحمد بن حنبل وأبو سعيد الإصطخري من أصحابنا : إن وجود الصفة بعد الخلع لا يسقطها ، وإن الخلع لا تأثير له في رفع الصفات إذا وجدت في النكاح .

                                                                                                                                            قالوا لأن قوله : إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فوجود الزوجة مضمر في الصفة وتقدير كلامه : إذا دخلت الدار وأنت زوجة فأنت طالق ، فصارت الصفة مفيدة بشرط فإذا وجدت مع عدم الشرط لم يسقط عند وجود الشرط كما لو قال لها : إذا دخلت الدار صائمة فأنت طالق فدخلتها مفطرة لم تسقط الصفة ، وطلقت إذا دخلتها من بعد وهي صائمة .

                                                                                                                                            وهذا خطأ ، لأن إضمار الصفات لا يعتمد في ظاهر الحكم ، ولا أن يعتد بالمشروط بالعرف والعادة .

                                                                                                                                            ألا تراه لو قال لها : إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلتها زحفا أو حبوا طلقت ، وإن كان دخولا يخالف العادة ، ولم يجعل العادة بدخولها مشيا شرطا في الصفة التي يقع [ ص: 23 ] بها الطلاق كذلك في مسألتنا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية