الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        الفصل الأول

        الفقهاء والسلطة

        موقف فقهاء المدينة من الخلافة الأموية

        مجتمع المدينة واتجاهاته السياسية

        حازت المدينة على موقع سياسي واقتصادي وعلمي متميز في الرقعة التي حكمها الإسلام خلال عصر السيرة والراشدين فقد أقام فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة، وكانت شئون الدولة تدار داخلها فهي عاصمة الإسلام الأولى وإليها تجبى أموال الزكاة والغنائم ويحظى أهلها جميعا بالعطاء فالمقاتلون لهم عطاء والمواليد لهم عطاء وهكذا تمتعوا منذ وقت مبكر بالضمان الاجتماعي..

        ولا شك أن الولاة والقضاة وعمال الصدقات كان كثير منهم يعينون من أهل المدينة وهو أمر طبيعي؛ لأن الفئة المثقفة بالثقافة الجديدة والمتشبعة [ ص: 37 ] بالمبادئ الإسلامية كانت أعلى نسبة من سواها في بقية الدولة.. وهذا الجانب الثقافي جعلها مركزا علميا مهما خلال القرن الأول الهجري يرحل إليها طلبة العلم من كل مكان طلبا لدراسات القرآن والسنة والفقه.. وقد حافظت المدينة على سمعتها العلمية طيلة القرن في حين فقدت تميزها السياسي والاقتصادي منذ أن صارت دمشق عاصمة الدولة والأمويون خلفاءها. وكان الخلفاء الأمويون على استعداد تام للتعاون مع أهل المدينة وعلمائها الذين كان بوسعهم أن يحظوا بالامتيازات ويوثقوا صلتهم مع الحكم لولا أن المدينة اتجهت نحو المعارضة بمستويات متباينة تبلغ أحيانا حد المقاومة المسلحة للحكم.

        إن المكانة السابقة للمدينة تجعل أهلها معتزين بماضيهم ومعتدين بأنفسهم وملتزمين بالمقاييس الإسلامية في الحياة بدرجة أعمق من سواهم خلال العقود الأولى وحتى نهاية العقد السابع الهجري – على الأقل – حيث جرت وقعة الحرة سنة 63 هـ.

        ولو تأملنا في التركيبة الاجتماعية والقبلية لعناصر السكان لتبين أنهم يتألفون من قريش والمهاجرين الآخرين والأنصار والموالي وقريش لها الخلافة في الإسلام والأمويون منها ولكنهم لم تكن لهم السابقة في الإسلام بل سبقتهم إليه عشائر كثيرة من قريش ومن ثم فأحقيتهم بالخلافة أحاطت بها الشكوك باستمرار.

        والأنصار هـم أهل المدينة الأصليون ولهم سابقة النصرة وإيواء للمهاجرين وعلى أرضهم قامت دولة الإسلام الأولى وكانوا مقربين من الخلفاء الراشدين وقد أظهروا التزاما عميقا بالإسلام ومبادئه ولم يتعاطفوا مع الحكم الأموي.

        وأما الموالي فقد كثر عددهم منذ خلافة عمر رضي الله عنه ورغم أنهم يمتهنون الحرف أو يشتغلون في الأرض ولكن عددا منهم تبوأ مكانة [ ص: 38 ] علمية عالية وكانوا يمثلون كتلة في الأحداث الخطيرة يتولى أحدهم قيادتهم كما يتضح من أحداث الحرة حيث بلغ عدد مقاتليهم خمسمائة رام بقيادة الفقيه الكبير عبد الله بن يزيد بن هـرمز . [1]

        ويبدو أن مكانة الموالي في الحركة الثقافية زادت مع الأيام وخاصة مع وفاة عدد من علماء الصحابة والتابعين من قريش حيث تبوأ الموالي مقاعد الأستاذية في حلقات المساجد الرئيسية ليس في المدينة فقط بل في مراكز الحركة الفكرية الأخرى يومذاك.

        يذكر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم – وهو شاهد عيان - : " لما مات العبادلة عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي فصار فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح وفقيه أهل اليمن طاوس وفقيه المدينة – فإن الله خصها لقرشي – فكان فقيه أهل المدينة غير مدافع سعيد بن المسيب " . [2]

        وهكذا يبدو أن التكوين الاجتماعي لسكان المدينة له أثر كبير في مواقفها السياسية وتوجهها نحو المعارضة الشديدة ورغم تداخل العوامل التي دفعت المدينة إلى موقف المعارض إلا أن العامل الديني يبرز بقوة حيث بدت صورة الخلفاء الأمويين مهتزة أمام قياسها بصورة الخلفاء الراشدين وتعكس خطب بعض قادة المعارضة في الحرة الإحساس بالمرارة لهبوط مستوى النموذج الراشدي.. فهذا عبد الله بن حنظلة الغسيل أبوه شهيد أحد وهو من الأوس كان قائد الحرة باتفاق أهل المدينة حيث بايعوه على الموت فخطب فيهم: " يا قوم اتقوا الله وحده لا شريك له فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ( !! ) ويشرب الخمر ويدع الصلاة والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسنا " . [3] [ ص: 39 ]

        وكانت سمعة يزيد سيئة جدا في الوسط المدني المعارض.. وكان عبد الله بن حنظلة قد وفد على يزيد واطلع على أحواله وقبل صلاته ثم صرح: " والله لو لم أجد إلا بني هـؤلاء لجاهدتهم به " . [4]

        وينبغي أن يلاحظ هـنا أن قادة الحرة الثلاثة لم يكن بينهم فقيه من فقهاء المدينة بل كانت لهم مكانة اجتماعية وقبلية ومزايا شخصية من مروءة وشجاعة وفروسية تؤهلهم للقيادة العسكرة والسياسية ولكن برز في القتال بعض الفقهاء منهم محمد بن عمرو بن حزم . [5]

        وانبثقت من خلال التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مظاهر لا تتفق مع القيم الإسلامية التي سادت خلال العقود الأربعة الأولى التي كانت خلالها المدينة عاصمة الإسلام وكان الخليفة عبد الملك بن مروان يفطن لعلاقة السياسة بالتطور الاجتماعي : " وأين الناس الذين كان يسير فيهم عمر بن الخطاب والناس اليوم !! إني رأيت سيرة السلطان تدور مع الناس إن ذهب رجل يسير بتلك السيرة أغير على الناس في بيوتهم وقطعت السبل وتظالم الناس وكانت الفتن فلا بد للوالي أن يسير في كل زمان بما يصلحه " . [6] وكان يدرك أن الناس تقيس الخلفاء الأمويين بالخلفاء الراشدين مما [ ص: 40 ]

        يظهر نقائص الحكم الأموي أمام الصورة المثالية للعصر الراشدي فلما سمع عبد الملك جماعة من أصحابة يذكرون سيرة عمر بن الخطاب قال : " أنهي عن ذكر عمر فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية " . [7]

        وكانت المعارضة ترفع شعارات " الشورى " في الحكم دون أن تتمحور حول أسرة بعينها كما حدث في مكة التي احتضنت الحركة الزبيرية أو الكوفة التي التفت حول العلويين رغم أن الحركات الثالث تشترك في الانطلاق من الإسلام ومقاييسه في مثلها العليا وشعاراتها وفي معايير نقدها للحكم الأموي وبالطبع فإن الاختلاف في أهداف الحركات في المدن المعارضة أدت إلى عدم وجود تنسيق بينها لتكون معارضتها فعالة في وجه الحكم وقد أخفقت جميعا في مواجهة الحكم الأموي... بل إن بعض فصائل المعارضة كانت تتخذ موقفا سلبيا من الأحداث الخطيرة ويبدو أن بعض فصائل المعارضة كانت تتخذ موقفا سلبيا من الأحداث الخطيرة ويبدو أن للقادة أثرا كبيرا في تحديد مواقف الأتباع ويتضح ذلك بجلاء في موقف العلويين وأنصارهم من ثورة الحرة فقد كان علي بن الحسين بن على المعروف بزين العابدين – وهو فقيه كبير – ينهى عن القتال ويأمر بالصبر والكف. [8] وقد انعكس ذلك على موقف التيار العلوي من أحداث المدينة ...

        قال محمد الباقر : " ما خرج أحد فيها – أي الحرة – من آل أبي طالب ولا خرج فيها أحد من بني عبد المطلب لزموا بيوتهم " وقد نجوا بذلك الموقف من القتل الذي أصاب أهل المدينة. [9] [ ص: 41 ]

        وتجدر الإشارة إلى أن عدم التفاف المعارضة في المدينة حول عائلة معينة كآل على وآل الزبير رضي الله عنهما لا يعني غياب المؤيدين للعائلتين المعارضتين للدولة بل لا بد أن المؤيدين كانوا على قدر من القوة التي تطلبت أن يشن الوالي هـشام بن إسماعيل المخزومي – والي عبد الملك على المدينة – حملة دعائية ضد العلويين وينال من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد اشتد على علي بن الحسين وأهل بيته. ومما يوضح رد الفعل العلوي قول على بن الحسين – زين العابدين - : " أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرب إلى عدونا بشتمه أو سبه على المنابر " ثم بين مكانة آل البيت وما يجب لهم من حقوق بسبب قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم . [10] ويبدو أن هـشام بن إسماعيل المخزومي كان يظلم الناس كثيرا ويشتد على أهل العلم وقد عزله الوليد بن عبد الملك وأمر بأن يوقف للناس ليقتصوا منه فأمر على بن الحسين أهله ومواليه بالكف عنه. [11]

        ولكن التيار العلوي لم ينشط في المدينة لأن قائده علي بن الحسين كان يبتعد عن مواجهة السلطة بل أظهر حسن نيته تجاهها عندما أعاد إلى عبد الملك مائة ألف درهم كان المختار بن أبي عبيد قد وصله بها فأذن له عبد الملك بأخذها كذلك أعلن براءته من المختار ولعنه جهارا بعد مقتله؛ لأنه كان يرى أنه كذاب وقد لخص رأيه في الموقف السياسي بقوله : " إن التارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره إلا أن يتقي تقاة, قيل ما تقاته؟ قال يخاف جبارا عنيدا يخاف أن يفرط عليه [ ص: 42 ] أو أن يطغى " . وكان ينهى عن القتال ويأمر بالصبر والكف وقد أنكر على شيعة آل البيت إفراطهم في إظهار حبهم؛ لأن ذلك " صار علينا عارا " " حتى بغضتمونا إلى الناس " . فلا غرابة إذا ما قال عنه الزهري : " كان أقصد أهل بيته وأحسنهم طاعة وأحبهم إلى مروان بن الحكم " . [12] لكن هـذا الموقف المسالم لم يمنع من تجدد الحملة على العلويين في عهود خلفاء آخرين ففي خلافة هـشام بن عبد الملك كان واليه على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم ( تولاها بين 114 – 119 هـ) ينال من على بن أبي طالب رضي الله عنه على المنبر وقد تصدى له مرة داؤد بن قيس الفراء مولى قريش وكذبه أمام الناس !! وكان داؤد يجلس في حلقة محمد بن عجلان ( ت 149 هـ ) أحد فقهاء المدينة المؤازرين للعلويين مما انتهى به إلى الخروج – فيما بعد – مع محمد النفس الزكية. [13] ولم يكن موقف الزعيم العلوي الآخر محمد بن الحنفية ( ت 81 هـ ) مختلفا كثيرا عن موقف علي بن الحسين فقد غادر المدينة في وقعة الحرة ورفض اتهامات المعارضة ليزيد فلما قال له عبد الله بن المطيع : " إنه – يعني يزيد – ليشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب " قال : ما رأيت منه ما تذكر وقد أقمت عنده فرأيته مواظبا للصلاة متحريا للخير يسأل عن الفقه " قال " ذاك تصنع ورياء " . [14] ولما قالوا له : " إنه كفر وفجر وشرب الخمر وفسق في الدين " قال : " ألا تتقون الله هـل رآه أحد منكم يعمل [ ص: 43 ] ما تذكرون ؟ وقد صحبته أكثر مما صحبتموه فما رأيت منه سوء " قالوا : " إنه لم يكن يطلعك على فعله " قال : " أفأطلعكم أنتم عليه ؟ فلئن كان فعل إنكم لشركاؤه ولئن كان لم يطلعكم لقد شهدتم على غير ما علمتم !! " . [15]

        وأعلن براءته من حركة المختار الثقفي ولم يبايع لابن الزبير رغم ضغوطه عليه ومحاصرته له وحين اجتمع الناس على عبد الملك بعد مقتل ابن الزبير بايعه وزاره في دمشق فوصله عبد الملك. [16]

        أما الحركة الزبيرية فقد كان لها أنصار في المدينة لكن قوتهم الحقيقية كانت بمكة وفي ولاية عمرو بن سعيد بن العاص على المدينة ( 60 هـ ) عين عمرو بن الزبير بن العوام على شرطة المدينة وكان معاديا لأخيه عبد الله بن الزبير فضرب ناسا كثيرا من قريش والأنصار بالسياط إذ كان يرى أنهم " شيعة عبد الله بن الزبير " . [17] وكان عمرو بن سعيد بن العص والي يزيد على المدينة يكتب إلى يزيد : " إن جل أهل المدينة قد كانوا مالوا إليه – يعني ابن الزبير – وهووه وأعطوه الرضا ودعا بعضهم بعضا سرا وعلانية " [18] فهل بالغ الوالي ليقبل الخليفة عذره في عدم حسم معارضة ابن الزبير !! ولا شك أن وحدة الشعارات بين قادة الحرة وابن الزبير – قبل أن يدعو ابن الزبير لنفسه بالخلافة على أثر وفاة يزيد – كانت تجعل ثورتي المدينتين المقدستين ذات طابع واحد فالشورى واختيار رجل من المهاجرين هـو الهدف الأول لكلتيهما. كما أن شخصية ابن الزبير القوية كانت تجعل [ ص: 44 ] المراقب ( شاههد العيان ) يرى أن ثورة المدينة زبيرية وإن لم تطرح اسم ابن الزبير قائدا لها ولعل ذلك يعود إلى عدم دعوة ابن الزبير لنفسه بالخلافة آنذاك كما يعود إلى اعتداد القادة المحليين في المدينة بأنفسهم لكنهم لم يجدوا في نهاية المطاف طريقا لإيواء فلولهم المنهزمة إلا بالتوجه إلى مكة والقتال مجددا إلى جانب الزبيريين ضد الجيش الأموي.. إن شهود العيان يقررون صلة المعارضة بابن الزبير بعبارات وصفية لا تقدم أدلة واضحة ويبدو أنها تستند إلى وحدة الشعارات في الحركتين بالدرجة الأولى..

        وأهم شاهدين على هـذا الموضوع هـما عبد الله بن عمر ومولاه نافع فأما ابن عمر فقد تمنى قتال الفئة الباغية وحين سئل عن الفئة الباغية قال : " ابن الزبير بغى على بني أمية فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم " . [19] وهو اتهام بالمسئولية المباشرة لابن الزبير عن أحداث المدينة. وأما نافع فقال : " لما انتزى أهل المدينة مع ابن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية " . [20] . وكذلك يرى الشاعر أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي مسئولية ابن الزبير في جلاء الأمويين. [21] .

        أما التيار الخارجي فلم يحظ بتأييد يستحق الذكر عند أهل المدينة [ ص: 45 ] ولكن اثنين من فقهاء المدينة هـما عكرمة مولى ابن عباس ( 25 – 105 هـ ) " كان يظن أنه يرى رأي الخوارج يكفر بالنظرة " وقد طلبه بعض ولاة المدينة فتغيب عند فقيه آخر كان يتهم أيضا برأي الخوارج وهو داؤد بن الحصين حيث مات عنده. [22]

        وتجدر الإشارة إلى أن أبرز الصحابة في المدينة ممن عاش إلى وقعة الحرة لم يشتركوا فيها بل حاولوا نصح الثائرين وثنى المعارضين عن خلع يزيد ويظهر هـذا بوضوح في موقف عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبي سعيد الخدري [23] الذين حافظوا على بيعتهم ليزيد. وكانت أم سلمة – أم المؤمنين – ترى أن البيعة ليزيد بعد الحرة بيعة ضلالة لما صاحبها من قسر ولكنها نصحت مع ذلك ابن أخيها ومن استشارها بالبيعة. [24]

        وخارج الحجاز عاش عدد من الصحابة إلى وقعة الحرة منهم : النعمان بن بشير الذي سعى لإقناع المعارضة بالدخول في طاعة يزيد. [25] وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب الذي كان ضمن وفد أهل المدينة إلى يزيد وتخلف عن الوفد ومكث مع يزيد حتى وفاته. [26]

        ولا شك أن عدم قدرة زعماء المعارضة على استقطاب معظم بقية الصحابة [ ص: 46 ] الأحياء من العوامل التي أثرت على حركة المعارضة معنويا ومع ذلك فقد قاتل مع المعارضة في الحرة عدد من صغار الصحابة هـم عبد الله بن زيد بن عاصم المازني [27] وعبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف [28] وعبد الله بن حنظلة الغسيل وعبد الله بن مطيع والأخير ممن ولد في عهد النبوة ولم يدرك السماع.

        وداؤد مولى بني أمية " كان فصيحا عالما " وألف كتابا في " تسمية من قتل بالحرة " [29] ويصرح ابن حبان بأنه كان يذهب مذهب الشراة ولم يكن لداعية في حين يقر الساجي بأن خارجيته مجرد اتهام. [30]

        ويجد المؤرخ صعوبة في تحديد الاتجاهات السياسية لفقهاء المدينة إذ لم تنقل المصادر إلا آراء عدد محدود منهم في القضايا العامة السياسية كما هـو شأن حلقة محمد بن عجلان ذات الطابع العلوي كما أن ثمة عوائل فقهية المنزع صار تتبع تأريخها كاشفا عن توجه سياسي معين كما هـو شأن الأخوة اسحق وصالح وعبد الأعلى ويونس وإبراهيم وعبد الغفار وعبد الحكيم أبناء عبد الله بن أبي فروة البلوي وكلهم كانوا يفتون ويحدثون ولكل من اسحق وعبد الحكيم حلقة في المسجد النبوي وهؤلاء الإخوة وإن لم تفصح المصادر عن توجههم السياسي إلا أن أباهم كان مع مصعب بن الزبير وجدهم كان يرى رأي الخوارج وقتل مع عبد الله بن الزبير. [ ص: 47 ]

        ولما قامت الدولة العباسية كان إسحق مع صالح بن علي عم السفاح بالشام .. فلا شك أن دراسة تاريخ العائلة يوضح موقفها المعارض للحكم الأموي وربما لم يفصح الأخوة الفقهاء عن موقفهم بسبب ما أصاب أباهم وجدهم. [31]

        ولا يخفى أن الوسط السياسي المعارض في المدينة خرج عددا من قيادات المعارضة في المدن الأخرى فالحسين بن على وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد الثقفي كلهم نشأوا بالمدينة وتأثروا باتجاهات الرأي العام فيها.

        وتدل أحداث القتال بين أهل المدينة والخوارج على أن التيار الخارجي لم يحظ بمكانة فيها. [32] ولا بد من الإشارة إلى أن الأمويين كان لهم وجود دائم في المدينة وأنهم آزروا الدولة بالطبع ولحقهم الأجلاء في الحرة سوى آل عثمان رضي الله عنه وبلغ عددهم مع أشياعهم ألف [33] وأنهم تولوا أعمالا في الولايات خاصة وقد استمر وجودهم في المدينة حتى سقوط الدولة الأموية حيث نال بعضهم الأذى على يد العباسيين . [34]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية