الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب البيان : قال ابن القاسم : يمتنع وضع المرأة صداقها لزوجها على أن يحجها ، لأنه فسخ دين في دين ، وإن قالت له : إن حملتني إلى أهلي فلك صداقي صدقة عليك فامتنع ، فخرجت مبادرة إلى أهلها لتقطع الصدقة سقط عنه الصداق ، وإن لم تخرج كذلك فلا .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال اللخمي : إذا سلمت المقاصة من الفساد الآن اعتبر ما تقدم ، فإن كانا متساويين : ثمن قمح وثمن تمر امتنع على أصل ابن القاسم ; لاتهامهما في بيع القمح بالتمر ، وفي الكتاب : إلا أن يكون العقدان نقدا والأول مؤجلا والثاني نقدا وأخذ عن المبيع أولا مثل ما يباع به نقدا فيجوز . وإن كان الثاني أكثر عينا امتنع ، وكذلك لو كانا عرضين أسلم بعضهم لبعض فيها فإن اتفق رأس المال أو الأول أكثر جاز ، أو الأول أقل امتنع ; لاتهامهما على سلف بزيادة ، وإن كان رأس مال أحدهما دراهم والآخر دنانير امتنع على قول ابن القاسم ; لأنه صرف مستأخر ، وقيل : يجوز إن كان رأس مال الأول أقل فيما يكون الصرف دون سلم الأول .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : اختلف إذا تضمنت الصرف المستأخر أو بيع الطعام قبل قبضه هل تفسخ المقاصة خاصة لأنها المتضمنة للفساد أو المتضمنة المبيع الأخير ؟ ويصح الأول ، قولان ، قال : والأول أحسن ; لأن سبب التهمة ليس محققا إلا أن [ ص: 306 ] تجري بينهما عادة ، فينفسخ البيع الأول والثاني .

                                                                                                                تمهيد : نذكر قواعد شرعية تنبني عليها المقاصة وبيوع الآجال وما يدخل فيه سد الذرائع ; لأن مالكا - رحمه الله - يقدر الأسباب المبيحة معدومة ، والمقتضي للفساد موجود ، والتقدير من الأمور العامة في الشرع ، فأبسط القول فيه فأقول : التقدير : إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود ، فإعطاء المعدوم حكم الموجود كإيمان الصبيان قبل تعلمهم وكذلك البالغون حالة الغفلة ، وكفر أطفال الكفار وعدالة الشهود حالة الغفلة ، وكذلك فسق الفساق ، والإخلاص والرياء فيمن مات على شيء من هذه الصفات ، فالشرع يحكم عليهم بهذه الصفات حالة عدمها ، وتجري عليهم أحكامها ، ويبعثهم عليها بعد الموت ، وكذلك النيات في العبادات حالة الغفلة في أثناء العبادة فهو في حكم الناوي ، وإن لم يكن متصفا بالنية حينئذ ، فالثابت في حقه النية الحكمية دون الفعلية ، وكذلك من تقدم ، وكذلك العلم في العلماء ، والفقه ، والشعر ، والطب ، والصداقة ، والعداوة ، والحسد حالة الغفلة عن هذه الصفات ، وكذلك خصص الله تعالى الحاسد بقوله : ( ومن شر حاسد إذا حسد ) . ففائدة التخصيص بقوله : إذا حسد ; ليتقي الحسد الفعلي لأنه الباعث على أذية الحسود ، بخلاف الحكمي ، وكذلك إذا باع عبدا سارقا فيقطع بقدر قطعة عند البائع ، ويرد عليه ، وكذلك كل عيب نشأ في المبيع بسبب التدليس لا يمنع الرد ، ويقدر تقدمه على ما تقدم تقريره في الرد [ ص: 307 ] بالعيب ، والديون تقدر في الذمم ، والنقدان في عروض التجارة ، ويقدر الملك في المملوكات ، والرق والحرية والزوجية في محالها . وإعطاء الموجود حكم المعدوم كالماء مع المحتاج له لتعطيشه ، والرقبة عند المكفر المحتاج إليها ، ومن النقدين إعطاء المتقدم حكم المتأخر ، والمتأخر حكم المتقدم ، فالأول كمن رمى سهما أو حجرا فأصاب بعد موته شيئا فأفسده ، فإنه يضمنه ويقدر تقدمه ( في حال حياته ، كالدية في القتل متأخرة الاستحقاق عن الموت لأنه سببها ، ويقدر تقدمه ) قبل الموت حتى يصح أن يورث عنه ، والثاني كتقدير الحروف السابقة على الحرف الأخير من لفظ الطلاق والبيع وسائر صيغ العقود مع الحرف الأخير ، فحينئذ يقضى عليه بأنه متكلم بتلك الصيغ ، ولو لم يقدر أول الكلام عند آخره لما اعتبر الحرف الأخير ، لأنه ليس سببا شرعيا ، وكذلك تقدر النية في آخر العبادات ، وإن كانت متقدمة في أولها فنعده ناويا في آخرها ، وإن كان غافلا عن النية حينئذ ، بل كانت النية سابقة فر أول العبادات : ولا يكاد ينفك شيء من العقود عن التقدير ، وإيراده على المعدوم ، أما البيع فقد يقابل الدين بالدين إجماعا كبيع درهم بدرهم ، إلا أنه لا يتأخر ، والإجارة إن قوبلت بمنفعة كانا معدومين ، أو بعين كانت المنافع معدومة ، والسلم والقرض يقتضي عوضه معدوما ، والوكالة إذن في معدوم ، والقراض والمساقاة والمزارعة والجعالة والوقف تمليك لمعدوم ؛ تارة لموجود وتارة لمعدوم ، والرهن في دين معدوم وقد يكون دينا بنفسه ، والوصية تصح بالدين المعدوم ، والعواري تمليك لمعدوم ، وتمليك اللقطة مقابلة موجود بمعدوم ، وحفظ الوديعة الواجب معدوم [ ص: 308 ] يوجد يقينا مساو كذلك منافع النكاح والنفقة والسكنى والكفالة التزام المعدوم ، والحوالة بيع معدوم بمعلوم ، والصلح لا يخرج عن البيع ، والإجارة ، والإبراء ، والهبة . والعجب ممن يعتقد أن المعاوضة على المعدوم على خلاف الأصل مع أنه عماد الشريعة ومعظمها ؛ والأوامر ، والنواهي ، والإباحات ، والأدعية ، والوعد ، والوعيد ، والبشارة ، والنذارة ، والنذور ، والشروط وأجوبتها لا تتعلق جميع هذه إلا بمعدوم ، فهذا التمهيد وهذه القواعد وإن كانت تتعلق بالديون فهي عظيمة النفع في أبواب الفقه ; يحتاج إليها الفقيه حاجة شديدة إن أراد أن يكون من فحول العلماء ، وبسبب الإحاطة بهذه القواعد تتضح المدارك ، ويتميز الصواب في المذاهب من الخطأ ، وتنشأ الفروق والتراجيح ، وفي مثل هذه المواطن يتميز الجذع من القارح ، والصالح لضبط الفقه من الطالح .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية