الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                القسم الثاني من الموانع :

                                                                                                                ما يمنع من الرد على وجه دون وجه ، وهو تغيير المبيع ، والتغيير ثلاثة أضرب : الضرب الأول : تغيير يفيت المقصود من العين فيمنع ; لأنه يصيرها كالمعدومة ، لأن المقصود من الأعيان منافعها .

                                                                                                                الضرب الثاني : تغيير لا بال له ، لا يمنع الرد ، ووجوده كعدمه ، ففي الكتاب : لا يفيد الرد حوالة الأسواق ، ولا نماء ، ولا عيب خفيف كالرمد والكي والدماميل والحمى والصداع وذهاب الظفر ، وله الرد بغير شيء وإن نقصه ، وكذلك الأنملة في الوخش ، قال ابن يونس : الفرق بين هذا وبين البيع الفاسد تفيته حوالة الأسواق : دخل المتبايعين على شيء واحد في البيع الفاسد فسوى بينهما في زيادة السوق ونقصه ، وهاهنا لم يدخلا على الرد ، قال ابن حبيب : وكذلك ما حدث عنده من شرب الخمر أو الزنا أو السرقة أو الإباق فقيل : يحتمل أن يكون هذا خلافا لابن القاسم ; لأن هذه قد تنقصه كثيرا ، [ ص: 107 ] والفرق بين البائع يرد عليه بالعيب الخفيف ، وبين المشتري : أن البائع يتوقع تدليسه ، بخلاف المشتري ، قال : وهذا استحسان ، والقياس : التسوية فيلحق المشتري بالبائع .

                                                                                                                الضرب الثالث : تغيير له بال ولا يخل بالمقصود ، فيخير بين التمسك وأخذ أرش العيب القديم ، أو الرد ، وما نقصه العيب الحادث ، وفي الكتاب : إلا أن يرضى البائع بأخذه معيبا ، ويرد جميع الثمن فذلك له ، وفي الجواهر : قال عيسى بن دينار : لا يسمع من البائع ذلك ; لأن الخيار حكم ثبت للمشتري فلا يتمكن البائع من إبطاله ، قال صاحب النكت : إذا قطعه وخاطه فقال البائع : أعطني في الخياطة ولا ألزمك نقصان القطع حتى لا تمسكه . ليس له ذلك ، بخلاف طرح أرش العيب الحادث إذا لم يخطه ; لأنه بالخياطة صار شريكا فلا يستقل شريكه بإبطال شركته ، وعن أبي الحسن : أن القيام بالصبغ يوم الحكم لا يوم البيع ; لأن الرد فسخ فالقيمة يوم الحكم ، وجعل الشركة بما زاد الصبغ ، وجعله في الاستحقاق إذا امتنع المستحق من دفع قيمة الصبغ والمشتري من دفع قيمة الثوب أن الشركة بقيمة الصبغ دون زيادة ; لأن الراد بالسكون شك وأخذ قيمة العيب ، والمستحق من يده مكره فيشارك بالقيمة ، وبقولنا قال ابن حنبل ، وقال ( ش ) و ( ح ) : حدوث العيب عنده يمنع رده بالعيب القديم ; لأن الرد شرع لدفع الظلامة والضرر عن المشترى ، والرد ضرر على البائع لا يشرع دفعه بالضرر بل يتعين أخذه الأرش في العيب القديم ، وقياسا على العيوب المبينة كالعمى ونحوه ; لأنه لما تعارض حقان أحدهما يوجب بقاء العقد ، والآخر بطلانه ، وجب أن يرجع موجب البقاء ; لأنه الأصل ، والجواب عن الأول : أن البائع مفرط في عدم اطلاعه على عيب سلعته بخلاف المشتري ، فلذلك رجحنا ضرره ، أو يقول : حق الرد ثابت قبل حدوث العيب عند المشتري ، وذمة البائع مشغولة ببقاء جزء من المبيع عنده ، فرجع ذلك عملا بالاستصحاب ، ولأن يجبر الضررين : ضرر البائع بالأرش ، وضرر [ ص: 108 ] المشتري بالرد بخلاف العكس يتضرر فيه المشتري وحده ، بإلزامه ما لم يعقد عليه ، وعن الثاني : الفرق بأن ذهاب أكثر المنافع يصير المبيع معدوما ; لأن الأقل تبع للأكثر ، والمقصود من الأعيان منافعها والمعدوم يستحيل رده ، وعن الثالث : منع التعارض ; لأن حق المشترى ثبت قبل حدوث العيب سالما عن المعارض ثم ينتقض ما ذكروه بما إذا تقاررا على العيب وادعى البائع أن المشتري رضي به ، فإن المشتري يصدق في استحقاق الرد ، وقال ابن حنبل : لا يحب أرش العيب الحادث عند المشتري كان سبب التدليس أم لا ، وكما لو غره بحرية أمة فإنه يرجع على من غره بالصداق كله .

                                                                                                                وجوابه : أنه يرجع على الغار إن كان غير السيد ، ولو دلسها هنا غير السيد لم يرجع عليه .

                                                                                                                تفريع : في الجواهر : في الكتاب : العمى والشلل من هذا الضرب ، ورآهما ابن مسلمة من الضرب الأول ، وكذلك رأى قطع ذنب البغلة المركوبة والفرس المركوب ، والمشهور : عجف الدابة وهرم العبد من الضرب الثالث ، ورآه ابن مسلمة من الأول ، وبثمن الأمة الهزيلة من الثالث ، وقيل : من الثاني على المشهور ، وكبر الصغير من الأول ، وقيل : من الثالث ، والوطء في الثيب من الثاني على المشهور ، وقيل : من الأول وافتضاض البكر من الثالث وتزويج الأمة على المشهور من الثالث ، وقيل : من الثاني ، ورآه ابن مسلمة من الأول على المشهور إذا ولدت جبر النقص من الولد ، وقيل : لا يجبر ، ومنشأ الخلاف في هذه الفروع كلها : النظر إلى عظم العيب ، فمن عظم عنده جعله من الأول ، ومن لا يرى ذلك جعله من غيره ، ووافقنا ( ش ) وابن حنبل في وطء الثيب لا يرد شيئا ، ويردها عند ابن حنبل ، وقال ( ش ) و ( ح ) : يمتنع ردها ، ووافقنا ابن حنبل في رد الأرش في البكر ، ومنع ( ش ) و ( ح ) ، ومورد ابن مسلمة : أن منافع البضع عندنا كمنافع البدن من الاستخدام وغيره ، وعندهما ملحقة بالأجزاء فالوطء كقطع عضو يمنع الرد عندهما ، واستدلا بأن [ ص: 109 ] الوطء جناية ، فإنه لا يخلو من عقوبة أو مال أو وقع في ملك الغير ، ولأنه يحرمها بوطئه على أبيه وابنه ، فهي جناية ، ولأنه يجب به جميع البدل في النكاح من غير اعتبار مقدار المنفعة كالموضحة ، والمنافع تقابل من الأجر تقديرها ، ولأن الرد بالعيب فسخ للعقد من أصله فيؤدي لوقوع الوطء في ملك خاليا عن العقوبة والغرامة ، والجواب عن الأول : وإن سلمنا أنه جناية ، فالجناية عندنا لا تمنع الرد ، وعن الآخر : أنه قد تقدم أن فسخ العقد من أصله مستحيل عقلا ; لاستحالة رفع الواقع بل المنهي وطء في ملكه ، ولو هلكت كانت في ضمانه وجزاء جهالة ، ولو صح ما ذكرتموه لما صحت الإقالة ، ثم يتأكد قولنا بالقياس على وطء الزوج بعد الشراء وتلذذ المشتري بالنظر إلى الفرج وغيره ، ونقول في الثيب : لا ينقص عينها ولا يجب فيها أرش كما لو نظر إليها .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا اشترى عبدين في صفقة بذهب فوجد أحدهما معيبا وهلك الآخر رد العيب وأخذ حصته من الثمن لاستدراك الظلامة ، فإن اختلفا في قيمة الهالك ، وصفاه وقومت الصفة ، فإن اختلفا في الصفة صدق البائع مع يمينه إن انتقد ; لأنه حينئذ مدعى عليه الرد ، وإلا صدق المبتاع ; لأنه مطالب بالثمن ، قال ابن يونس : إن شاء المبتاع التمسك وأخذ أرش العيب القديم خير البائع ; لأن قيمة العيب قد وجبت ، له فليس للبائع إبطالها ، والفرق بين هذا وبين ما إذا استحق مما بعد على غير الأجزاء : أنه ليس له التمسك بالباقي ; لأن حينئذ مجهول ، وقد وجب الرد لهما ، والتمسك به عن الثمن مجهول فيهما أن المستحق عليه لا يغرم شيئا إذا رد بخلاف المشتري يغرم أرش القديم في التمسك ، ويريد في قوله في العبدين : كان المعيب وجه الصفقة أولا ; لأن الثمن عين ، وقال محمد : يصدق البائع انتقد أم لا ; لأن الثمن وجب له ، فإسقاطه [ ص: 110 ] غرم ، هذا إذا كان الثمن عينا ، فإن كان عبدا ، أو عرضا رد المعيب إن كان وجه الصفقة ، وقيمة الهالك مطلقا لا على المحاصة لانتقاض البيع ، وأخذ عبده إن لم يفت ، فإن فات الثمن بحوالة سوق أو بيع ، والباقي منهما وجه الصفقة رجع بحصته من قيمة العبد الذي هو ثمن لا في عينه لتعين القيمة كالفوت فصار كأنه اشترى بعين ، وكذلك لو كان الثمن مما ينقسم فهي كالعيب ، والفرق بين الثمن العين وما ينقسم وغيرهما : أن التزام القيم ضرر في غيرهما ، فإن ابتاع عبدين قيمتهما سوى المائة دينار ففي الكتاب : يرد العيب بحصته ، بخلاف أن يكون أحدهما بيعا يريد : وكذلك إن كان العيب الأدنى يلتزم الأعلى بحصته من الثمن .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا اشترى مذبوحتين فوجد إحداهما غير ذكية ، أو مائة أردب فوجد خمسين ، له رد الباقي ، لتفريق الصفقة ، وله أخذ الشاة بحصتها ، ولو كان النقص يسيرا في الطعام أو شاة من الشياه لزمه الباقي بحصته من الثمن لبقاء المقصود ، وكذلك جرار الخل ، قال ابن يونس : قال أبو محمد : يريد إذا اشترى الشاتين على الوزن وتساويا في الثمن ; لأن ثمن الباقي حينئذ معلوم ، قال ابن الكاتب : لا يستقيم هذا بل اشتراهما غير مسلوختين ; لأن حكم الذكاة لا يعلم إلا قبل السلخ حتى ينظر العتق ، ولو اشتراهما على الوزن فلا بد من التقويم ، قال ابن يونس : ويحتمل قيام البينة بعد السلخ على عدم الذكاة ، قال بعض أصحابنا : لو جهلت الذكية فسخ البيع لتحريم أكلهما ، ولو أكل إحديهما وشهد أن إحديهما غير ذكية رجع بثلاثة أرباع الثمن الباقية ، ونصف ثمن المأكولة لو نزع التداعي .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : قال أبو العباس الأسامي : إذا اشترى جرار خل فوجد [ ص: 111 ] بعضها خمرا فاشتغل أياما عن الرد ثم وجدها صارت خلا ، سقطت حصتها من الثمن لعدم بدلها للمعاوضة ، قال أشهب : لو وجد من العشرة واحدة خلا ، لزمته بحصتها ، وقال ابن القصار وغيره : يفسخ البيع هاهنا ; لأنها صفقة جمعت حلالا وحراما ، وكالأم وابنتها في عقد ، قال : وهو القياس ، ومدرك ابن القاسم : أنهما دخلا على الصحة فهو كالاستحقاق بخلاف المقيس عليه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : نقص الطعام عند الأصحاب ثلاثة أقسام : ما لا بد منه عادة فلا قيام به ، وما لا عادة فيه وهو يسير ، فللمبتاع أخذ السالم بحصته ، وللبائع إلزامه ذلك لعدم اختلال المقصود من العقد ، وذلك العشرة من المائة ، قال أبو محمد : والكثير المخل بالصفقة ليس للمبتاع أخذ السالم بحصته إلا برضا البائع ، وللبائع إلزامه ذلك ; لأن ضرر التفريق حق له قيل حد الكثير العشرون من المائة ، وأما الكثير جدا فلا يلزم المبتاع إلا برضاه ، ولا أخذ له إلا برضا البائع لضرر تفريق الصفقة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : فلو اشترى دارا مزارعة فوجد زيادة خير بين دفع حصة الزيادة ، أو يرد البيع إلا أن يسقطها البائع نفيا لضرر الشركة ، قال محمد : ولو كانت الزيادة في ثوب فهي للمبتاع ، وإن كان يرده بالنقصان ; لأن الثوب إنما يباع بعد الاختبار غالبا بخلاف الدار ، فكان للبائع الزائد ، وأما الصبرة : فيرد زيادتها ، ويلزمه ما بقي لعدم الشركة ، وقيل : الدار كالشقة في الزيادة والنقصان ، وأما زيادة البناء والمنازل فملغاة ; لدخولها في الحدود .

                                                                                                                في الكتاب : إذا اشترى سلعا بمائة ، وسمى لكل ثوب ثمنا فيرد المعيب بحصته من الثمن ، ولا ينظر إلى تسميتهم إن لم يكن وجه الصفقة ; لأن العقد [ ص: 112 ] متحد ، فإن كانت قيمة المعيب خمسين ، وقيمة كل سلعة سواه ثلاثين ، لم يكن وجه الصفقة حتى تكون حصته أكثر الثمن ، مثل سبعين من .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في البيان : إذا تعدى فخصى العبد فزاد ثمنه ، قال ابن القاسم : يقوم على قدر ما نقصه الخصاء عند من لا يرغب في الخصاء ، قال سحنون : ما نقصه الخصاء أن لو كان عبدا دنيا ، قال : والقياس أن يجب عليه في قطع الانثنين دية ، وفي الذكر والانثين ديتان ، وقال ابن عبدوس : إذا زاد فلا شيء على الجاني ; لأن المقصود صون المالية ، التي هي مورد العقد .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية